الحكومة تتمسك بوعود خفض الدين، كيف يهبط لأدنى مستوى في 50 عاما؟
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي
أكد رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، أن الحكومة تتعامل مع ملف خفض الدين العام بمنهج احترافي ومدروس، يستند إلى رؤية مالية واقتصادية متكاملة، موضحًا أن الفترة المقبلة ستشهد الإعلان عن تراجع ملموس في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، بما يعكس تحسنًا واضحًا في المؤشرات الاقتصادية الكلية للدولة.
جاءت تصريحات رئيس الوزراء خلال اجتماع الحكومة، الذي ناقش خلاله ما أُثير مؤخرًا بشأن مستويات الدين الخارجي والداخلي، حيث شدد مدبولي على أن الحكومة لا تتعامل مع ملف الدين بردود أفعال آنية، وإنما ضمن استراتيجية طويلة الأمد تخضع لمعايير الانضباط المالي وتراقبها المؤسسات الدولية.
وأوضح مدبولي أن حديثه السابق حول خفض نسبة الدين إلى أقل مستوى لم تشهده مصر منذ نحو 50 عامًا، لا يعني خفض الدين بالقيمة المطلقة فقط، بل يستهدف بالأساس خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، باعتبارها المؤشر الأكثر دلالة على قدرة الاقتصاد على تحمّل الالتزامات المالية.
بداية المسار التنازلي لنسبة الدين
أشار رئيس الوزراء إلى أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفضت بالفعل خلال العام الماضي لتصل إلى نحو 84%، بعد أن كانت تقترب من 96% قبل عامين، مؤكدًا أن التقديرات تشير إلى استمرار هذا التراجع خلال العام الحالي، ما يعني أن الدولة دخلت فعليًا مرحلة الانخفاض التدريجي للدين كنسبة من الناتج.
حجم ديون مصر
وأكد مدبولي أن الحكومة تنفذ خططها المالية وفق ضوابط صارمة تحكم عمل جميع مؤسسات الدولة، وتخضع في الوقت نفسه لرقابة ومتابعة مؤسسات التمويل الدولية، ما يعزز مصداقية السياسات الاقتصادية المصرية أمام المستثمرين والأسواق العالمية.
ولفت إلى أن إعلان التفاصيل الكاملة لخطة خفض الدين سيتم خلال فترة قصيرة، في إطار التزام الحكومة بالشفافية وإطلاع الرأي العام على مسار الإصلاح المالي والاقتصادي.

العودة إلى مستويات ما قبل نصف قرن
في نهاية العام الماضي، أعلن مدبولي أن حكومته تتبنى خطة طموحة لخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، وهو تصريح حمل دلالات تاريخية واقتصادية عميقة.
ويعني هذا الهدف، وفق تصريحات مدبولي، السعي لخفض نسبة الدين العام إلى أقل من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يُعد منخفضًا جدًا مقارنة بالمسار الذي شهده الاقتصاد المصري خلال العقود الماضية، لا سيما منذ الثمانينيات وحتى العقد الثاني من الألفية الحالية.
يأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه الدولة تحديات اقتصادية مركبة، تشمل ارتفاع أعباء خدمة الدين، وضغوط الإنفاق الاجتماعي، والحاجة إلى تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
أرقام الدين العام لمصر
تشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي الدين العام في مصر بلغ حتى نهاية سبتمبر 2025 نحو 10.4 تريليون جنيه، وهو رقم يعكس حجم التحديات التي تواجه المالية العامة للدولة، ويبرز أهمية التعامل مع هذا الملف بحذر واحترافية.
وينقسم هذا الدين بين دين داخلي ودين خارجي، ولكل منهما تأثيراته المختلفة على الاقتصاد الكلي، فالدين الداخلي يضغط على الموازنة العامة من خلال أعباء الفوائد، بينما يمثل الدين الخارجي تحديًا إضافيًا في ما يتعلق بتدفقات النقد الأجنبي واستقرار سعر الصرف.
ووفقًا للبيانات الحكومية، ارتفع حجم الدين الخارجي لمصر بنحو 6 مليارات دولار منذ بداية عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام، مقارنة بنحو 155.1 مليار دولار في الربع الرابع من 2024.
تحرير الموارد لا مجرد خفض الأرقام
تؤكد الحكومة أن السيطرة على مسار الدين لا تستهدف فقط خفض الأرقام المجردة، وإنما تهدف بالأساس إلى تحرير موارد مالية يمكن إعادة توجيهها نحو الاستثمار في الإنسان المصري، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
ووفق مدبولي، فإن جزءًا كبيرًا من القروض التي حصلت عليها الدولة خلال السنوات الماضية تم توجيهه إلى بناء بنية تحتية قوية، شملت شبكات الطرق والموانئ ومحطات الطاقة ومشروعات المياه والصرف الصحي، إلى جانب دعم قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
وهذه الاستثمارات، رغم مساهمتها في رفع الدين، أسست لقاعدة إنتاجية وخدمية من شأنها دعم النمو الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل، بما يسمح بخفض نسبة الدين تدريجيًا مع زيادة الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تصريحات رئيس الوزراء.
من ديون السبعينيات إلى أزمات الثمانينيات
تسعى الحكومة، وفق تصريحات رئيس الوزراء، إلى استعادة مستويات الدين التي كانت سائدة في عام 1970، حين بلغ الدين الخارجي نحو 1.3 إلى 2 مليار دولار فقط، أي أقل من 20% من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك.
وشهد مسار الدين تحولات حادة خلال العقود اللاحقة، إذ قفز الدين الخارجي عام 1977 إلى نحو 13 مليار دولار، بما يعادل 95% من الناتج المحلي، ثم ارتفع إلى 20.4 مليار دولار عام 1980 بنسبة 128%، قبل أن يصل إلى 42.2 مليار دولار عام 1985، ما يعادل نحو 159% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي وضع الاقتصاد المصري حينها تحت ضغوط شديدة.
الدين بعد 2011
شهدت مصر بعد عام 2011 موجة جديدة من تصاعد الدين، مدفوعة بحالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتراجع موارد النقد الأجنبي، ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف ضغوطًا غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي والمصري.
كما أدت الحرب الروسية-الأوكرانية إلى ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والطاقة، ما زاد من فاتورة الاستيراد وأثر سلبًا على ميزان المدفوعات في الأسواق الناشئة، ومنها مصر.
وترى الحكومة أن جزءًا كبيرًا من ارتفاع الدين خلال السنوات الأخيرة كان نتيجة صدمات خارجية، وليس فقط اختلالات داخلية، ما يستدعي معالجة تعتمد على تعزيز النمو وزيادة الإيرادات، وليس الاكتفاء بإجراءات تقشفية.
كيف تنفذ الحكومة خطة خفض الدين؟
تعتمد الحكومة في تنفيذ خطتها على مجموعة من الركائز الأساسية، في مقدمتها تحقيق نمو اقتصادي مستدام يتراوح بين 6 و7% سنويًا، باعتباره العامل الأهم في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
كما تعول الحكومة على جذب استثمارات أجنبية مباشرة ضخمة، مستندة إلى نجاح صفقة "رأس الحكمة" بقيمة 35 مليار دولار، إلى جانب استهداف جذب استثمارات خليجية إضافية بنحو 50 مليار دولار خلال الفترة المقبلة.
وتشمل الخطة طرح نحو 40 شركة مملوكة للدولة للبيع أو الشراكة مع القطاع الخاص، بقيمة مستهدفة تصل إلى 100 مليار جنيه، في إطار برنامج الطروحات الحكومية.
إعادة هيكلة الديون
ضمن أدوات إدارة الدين، تعمل الحكومة على إعادة هيكلة بعض الديون الخارجية، من خلال تمديد آجال ديون تتجاوز 20 مليار دولار، بالتنسيق مع شركاء إقليميين مثل السعودية والإمارات، بهدف تقليل ضغط السداد وتحسين هيكل الدين.
وتستهدف الحكومة خفض العجز المالي إلى نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، عبر ترشيد دعم الوقود والكهرباء، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وزيادة الإيرادات الضريبية دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
تحديات قائمة وفرص مشروطة
رغم الطموح الحكومي، تبقى خطة خفض الدين مرهونة باستقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية، واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي، وقدرة الاقتصاد المحلي على تحقيق نمو مرتفع ومستدام، فضلًا عن السيطرة على التضخم وأسعار الفائدة، بحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة.
وقال بدرة لـ "تليجراف مصر" إن تحقيق المستهدفات الحكومية المتعلقة بخفض معدلات الدين العام وزيادة الناتج المحلي الإجمالي يتطلب العمل على مسارين متوازيين، يتمثلان في تعظيم موارد الدولة وترشيد النفقات، مؤكدًا أن هذه المعادلة تمثل الأساس لأي إصلاح مالي مستدام.
وأوضح أن الخطوة الأولى للسيطرة على عجز الموازنة وتقليل تكلفة الدين تكمن في زيادة الموارد المالية للدولة، مؤكدًا أهمية حزم التيسيرات الضريبية الأخيرة التي أطلقتها الحكومة، والتي تستهدف دمج الاقتصاد الموازي أو غير الرسمي في المنظومة الرسمية، بما يسهم في توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الإيرادات دون فرض أعباء ضريبية جديدة على المواطنين.
وأشار إلى أن الفلسفة التي تقوم عليها خطط الحكومة الحالية تعتمد على زيادة الدخل القومي بدلًا من الاعتماد المتكرر على الاستدانة، موضحًا أن رفع الناتج المحلي الإجمالي يتطلب التركيز على المشروعات ذات القيمة المضافة الحقيقية، خاصة في قطاعات حيوية مثل الصناعة والسياحة، بما يدعم معدلات النمو الاقتصادي.
وأضاف بدرة أن الاستراتيجية المثلى لإدارة الدين يجب أن تشمل تقليل فترات وتكرار الاقتراض، سواء الداخلي أو الخارجي، بحيث لا تلجأ الدولة إلى الاستدانة إلا في حالات الضرورة القصوى، مع الاعتماد على تعظيم الدخل القومي كمصدر رئيسي للتمويل.
وشدد على أن تحسين نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ليس إجراءً سريعًا أو لحظيًا، بل عملية تتطلب وقتًا ورؤية واضحة، تقوم على الشفافية في بنود الموازنة العامة، والتحديد الدقيق لما سيتم ترشيده من نفقات وما سيتم زيادته من موارد، بما يضمن وضع الاقتصاد على مسار تعافٍ مستدام.
اقرأ أيضا:
الأكثر قراءة
-
هل البنوك إجازة غدًا الخميس 8 يناير 2026؟
-
مفاجأة، سفينة النفط الروسية المحتجزة من أمريكا رست 498 ساعة في مصر (تفاصيل الرحلة)
-
هل البنوك إجازة اليوم الخميس 8 يناير 2026؟
-
كم شهر باق على رمضان 2026، العد التنازلي وموعد أول يوم صيام
-
بعد 3 سنوات، أسامة جمال يكشف تفاصيل العثور على جثة مستأجر داخل شقته بطنطا
-
شهادات ادخار إسلامية 2026، تعرف على أعلى عائد شهري
-
مراجعة عربي الصف الثاني الإعدادي الترم الأول 2026 PDF، أهم النقاط قبل الامتحان
-
مراجعة عربي أولى إعدادي PDF ترم أول 2026، مراجعة ليلة الامتحان
أخبار ذات صلة
بـ7 مليارات جنيه، لماذا تراهن الحكومة على الصكوك بالجنيه؟
08 يناير 2026 04:48 م
الإسكان تطرح أراض استثمارية مميزة للبيع في العلمين الجديدة والسادات
08 يناير 2026 03:59 م
نهاية نوفمبر 2025، السيولة المحلية بالبنوك قفزت لـ13.853 تريليون جنيه
08 يناير 2026 02:48 م
"التخطيط" توثق جهودها في التعاون مع الأمم المتحدة لعام 2025
08 يناير 2026 01:52 م
أسعار الكتاكيت تقفز 300%، ما تأثيره على شهر رمضان وصناعة الدواجن؟
08 يناير 2026 10:34 ص
على رأس أولويات الوزارة، رئيس الضرائب تطمئن موظفي العقود: "احنا محتاجينكم"
08 يناير 2026 11:35 ص
سعر صرف الريال السعودي مقابل الجنيه اليوم الخميس 8 يناير 2026
08 يناير 2026 05:30 ص
تراجع سعر الذهب العالمي مع ترقب بيانات أمريكية مهمة
08 يناير 2026 09:41 ص
أكثر الكلمات انتشاراً