السبت، 10 يناير 2026

09:16 م

رضا طاهر الفقي

الإبراشي الذي يعيش بداخلنا.. صنايعي الإعلام الذي أحب مهنته فأحبه المشاهدون

كثيرون أولئك الذين يرحلون عن الدنيا، ولكن هناك  أناس يسكنون في الذاكرة  كبصمة تعصى عن المحو، ومهما مرت الأيام، والشهور  والسنون على رحيلهم، تبقى صفاتهم وشخصياتهم نادرة، واستئثنائية حاضرة في الذاكرة، والوجدان دائمة لاترحل، فهم راسخون لا تشطبهم الأيام ولا السنون.

واحد من هولاء الذين تركوا بصمة واضحة، وجلية  في قلوب الآخرين، بصمة في مجاليّ  الإعلام والصحافة لم ولن يستطع  آخر ملىء هذا الفراغ الذي تركه الظاهرة الفريدة المتفردة وائل الإبراشي، فوجهه فيه عينين تحملان  في داخلهما  ذكريات وخبايا، وآلام، وآمال، وانكسارات، وانتصارات، ويتخلله ضحكه هادئة وابتسامة محسوبة.. وجهه أشبه بتاريخ مصر  في تلك الحقبة التي صاحبت ميلاده.

ففي عامه الأول كانت بداية المواثيق العامة للدولة الوليدة والجديدة، التي رسمت معالم النظام الجديد ـ نظام دولة ناصرـ وبعد أربع سنوات من عمره كانت النكسة، وهزيمة المشروع الذي حلم به ناصر، الذي استيقظ من جديد لحرب الاستنزاف.

وتمر الأيام، والسنوات ويأتي النصر، وترتسم علامات البهجة علي وجهه مثل كل مصر في ذلك الحين، إلا أن الأيام تقتنص منه  تلك الفرحة مع وفاة الأب.. وبدأ يشعر أنه وحيدا في زحمة الحياة، لا يدري ماذا يفعل، فغامت عيناه بالدمع كلما تذكر أباه.
 

وأمام المنزل كانت هناك أرضاً فضاء كون فيها عالمه، وحلمه، أمله، وبدأت يده تتدرب علي الحبو، والخطو علي  الحروف، وقراءة الكلمات، وتشعبت مواهبه، واتسعت أبعاد العالم من حوله كلما أوغل في فهم رموز الشفرة التي أودعت في الأجيال المتعاقبة التي جاءت إلى الحياة.

قلت له ذات يوم ونحن في (شربين) بلد المنشأ والتكوين: في أثناء تجولي فيها شعرت أن جدرانها وشوارعها مفعمة بالحياة وفيها حياة أكثر من أماكن وشوارع أخرى، فأجاب قائلا: (شربين) تلك الحائرة ما بين صخب التجار، وحلم الفلاحين حيث إنها  تقع ما بين الدقهلية، ودمياط وهما عالمان متقابلان، عالم العقل والتجارة وعالم العفوية الريفية، والزراعة جعلت لها ما ترى من زحمة الحياه وتعدد مشارب الأحياء.

 يمتلك الإبراشي ارتباطا بالماضي دائما، ولا تظن أن شعور الإنسان الداخلي بالارتباط بينه وبين الماضي من جهة وبينه وبين المستقبل من جهة أخرى ليس عبثا وإنما حكمة إلهية جعلت لهذا الارتباط دورا في تكوين شخصيته، وارتباط هذه الشخصية بالمحيط واختزالها لكثير من المشاهد والخبرات ما يسمى بالذاكرة الفوتوغرافية القادرة على الالتقاط والاستيعاب التي جعلت الإبراشي معدا للفهم والالتقاط، الأمر الذي صنع له تميزا قال عنه الجواهرجي عادل حمودة "إنه محقق صحفي من طراز فريد له عين حساسة، وذهن متوقد وروح تواقه للإبداع".

إن الكتابة الصحفية، والتقديم الإعلامي مهنة يستطيع كثير من الناس أن يدعيها، ولكن الموهبة تصحح الوضع دائما، فلا يثبت على الزمن إلا قليلون، والإبراشي صاحب شخصية وأسلوب ميزه عن غيره، وصاحب مدرسة إعلامية، وحاسة فريدة تميز به عن الكثير من الصحفيين والإعلاميين، حاسة الوصول إلى جميع الناس بمختلف ميولهم، وطبقاتهم أو ما يطلق عليه مجازا أدوات نهرو في التأثير علي الجماهير، وخبراء الاعلام يقيسون نجاح التأثير علي المتلقي علي نظرية نهرو؛ ذلك السياسي الفذ في الإرسال فكانت موضوعاته الصحفية التي بدأها في زوراليوسف تلك المدرسة العريقة التي أخرجت العديد من عمالقة الفكر والأدب والصحافة هي ترجمان  الشارع المصري بما يعج به من أحداث وفاعليات، وتقمصه الوجداني للمتلقي  في إدارة برامجه التي بدأت بالحقيقة التي ناقشت كل القضايا  التي لم تكن مألوفه من قبل، وغاصت في هموم وأوجاع المصريين، واستمر خطه الإعلامي المميز في العاشرة  مساءًا التي وجد المصريون فيها ضالتهم  وسلواهم.
 

وأصبح البرنامج  مفردة من مفردات حياة المصريين حينما تدق  الساعة العاشره مساءًا تتطلع عيون المصريين إليها لتجد متنفسا لقضاياهم وتنفيسا لهموهم خلطة من دراما الشارع مآساته ،وملهاته تجدها بين طيات البرنامج الذي كان صوتا حرا وكلمة شجاعة وسوطا على ظهور الفاسدين والمفسدين.


ويسجل سطرا في سجل هذا الوطن كما يرش البسمات علي درب المصريين ودربنا.. كم جبر قلوبا وحقق أحلاما كثيرة  ومسح دموعا وأضاء  شموعا اجتمع عليها حلك الليل وهوج الريح.. اعتاد صاحبه أن يكون شعلة وهاجة حتي مع الريح العاتية الذي كان يكيد له عدوانا وحقدا.
 

 رحلة الإبراشي يمكن أن تطلق عليها “الألم مع الأمل والألم يعانق القلم ليحقق التميز والتفرد “وكأنه كان يتمثل قول نزار قباني:” أستاذي الألم فالألم هو الذي علمني”،  وليس من إنسان عظيم دون ألم عظيم .. فلقد كان الألم هو الحافز دائما لديه ,حينما سأل عنه الشارع المصري في فترة غياب خرج الإعلامي سيد علي قائلا: وائل الإبراشي حالة خاصة من التميز يسبق الجميع والجميع من بعده متساوون، سألني بعض الإعلاميين: كيف يدير الإبراشي مشروعه الإعلامي؟ قلت لهم باليقظه الدائمة، والمذاكرة المستمرة، ومذاكرة كل صغيرة وكبيرة وكل شاردة وكل طلة وكأنها الطلة الأولي.. حالة من التحفز والترقب والسير في الطرق غير الممهدة التي لا يمشي فيها كثيرون خوفا من مشاقاتها،ولكنه يسير فيها وحيدا لكي يصل لغايته المنشودة.

حارب الإبراشي كورونا وحذر منها الجميع إلا أنها التهمت رئتيه العامرتين بهواء الإبداع والتألق وظل يشاكس المرض ويشاكسه، وانتصر في جولات كثيرة عليه وكان يحدوه الأمل في العودة إلي الشاشة وفي الأيام الأخيرة كان يتحدث معي في ذلك وكله أل في العودة، لكن القدر قال كلمته.

تأتي هذه الأيام ذكرى رحيلك،  وأنت تفارقني جسدا ولم تفارقني روحا، ومازالت صورتك أمامي، نفتقد إطلالتك الوديعه، رحلت دون وداع.. رحلت صامتا هادئا  كما كنت دائما.

الناس نوعان موتى في حياتهم وآخرين في بطن الأرض أحياء، فأنت دائما حاضر شاخص رغم الغياب، وعزاؤنا أنك تركت إرثأ  إبداعيا فريدا، ومتفردا، وحضورا  بهيا شامخا لا يغيب.

search