من «المجلس سيد قراره» إلى سيادة الدستور: قراءة دستورية في أخطر مغالطات المشهد البرلماني
ليست خطورة الجدل الدائر حول الطعون الانتخابية في البرلمان الجديد نابعة من كثرتها أو توقيتها، وإنما من المنطق الذي يُعاد تسويقه لتطبيع مخالفة دستورية صريحة، تحت عناوين براقة من قبيل «توازي المسارات» و«استقرار المؤسسات».
وأخطر ما ورد في هذا السياق، هو الزعم بأن عضوية النائب بعد أداء اليمين تصبح خاضعة لإرادة المجلس، وكأن اليمين الدستورية تحصّن الباطل، أو تمنح المجلس سلطة تعلو على حكم القضاء.
أولًا: حكم محكمة النقض كاشف لا منشئ
الدستور المصري، في مادته (107)، لم يمنح محكمة النقض دورًا استشاريًا أو توصيفيًا، بل أسند إليها الاختصاص الحصري بالفصل في صحة عضوية النواب.
وحكم محكمة النقض في هذا الشأن حكم كاشف، لا ينشئ وضعًا جديدًا، وإنما يكشف عن حقيقة قانونية قائمة منذ إعلان النتيجة.
وبالتالي، فإن بطلان العضوية يعني أن ما بُني عليها — من أداء يمين أو مباشرة مهام — كأن لم يكن، ولا يملك المجلس، ولا غيره، سلطة إحياء ما قضى القضاء ببطلانه.
ثانيًا: الخلط المتعمد بين «بطلان العضوية» و«إسقاط العضوية»
الاستناد إلى المادة (6) من قانون مجلس النواب، والحديث عن أغلبية الثلثين، يُمثّل خلطًا جسيمًا بين مسارين مختلفين:
إسقاط العضوية: جزاء سياسي يوقعه المجلس على نائب فقد شرطًا من شروط العضوية أو أخل بواجباتها.
بطلان العضوية: نتيجة قضائية واجبة النفاذ، صادرة عن الجهة التي خولها الدستور ذلك الاختصاص دون غيرها.
إقحام نصوص إسقاط العضوية في مواجهة أحكام النقض، ليس خطأً فنيًا فحسب، بل تحايل تشريعي يُفرغ النص الدستوري من مضمونه.
ثالثًا: «توازي المسارات» لا يعني توازي السلطات
القول بأن مسار التقاضي لا يوقف عمل المؤسسات، صحيح من حيث المبدأ، لكنه لا يُستخدم لتبرير الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي بات.
توازي المسارات يعني استمرار المؤسسة في أداء دورها إلى أن يصدر الحكم، ولا يعني — بأي حال — أن تتحول المؤسسة بعد صدور الحكم إلى خصم وحكم في آن واحد.
رابعًا: سابقة الشوبكي.. ليست إشكالًا تشريعيًا بل مخالفة دستورية
واقعة عدم تنفيذ حكم محكمة النقض في قضية عمرو الشوبكي لم تكن نتيجة «ثغرة قانونية»، بل كانت مخالفة دستورية مكتملة الأركان، أضرت بمبدأ سيادة القانون، وأساءت إلى سمعة البرلمان أكثر مما حمت استقراره.
والأخطر من الواقعة ذاتها، هو إعادة تسويقها اليوم باعتبارها إشكالًا قابلًا للتكرار، بدلًا من اعتبارها خطأً لا يجوز العودة إليه.
الخلاصة
المجلس ليس سيد قراره، الدستور هو سيد الجميع.
وأي محاولة لإعادة إحياء مقولة سقطت بسقوط دستور 2014، لا تمثل حرصًا على استقرار الدولة، بل مساسًا بجوهرها الدستوري، وتقويضًا لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي لا تقوم دولة حديثة بدونه.
إن احترام أحكام القضاء، لا سيما في صحة التمثيل النيابي، ليس عبئًا على البرلمان، بل شرط وجوده وشرعيته.
الأكثر قراءة
-
هتصرف 14583 جنيه شهريًا.. أفضل 3 شهادات ادخار في البنوك المصرية الآن
-
"ومن الحب ما قتل".. موظفة تنهي حياتها قفزًا من أعلى برج بالسلام
-
"طلقتين في نص الليل".. جريمة في الخصوص تنتهي بمقتل عنتر على يد بشلة
-
"شوفنا الموت".. الشرطة تفحص فيديو طارق العوضي بعد واقعة الدائري
-
"استغل نفوذه لافتراس البراءة".. مرافعة النيابة العامة في قضية مدرسة هابي لاند
-
موعد صرف مرتبات يونيو 2026.. هل تضاف الزيادة الجديدة هذا الشهر؟
-
رصيد عداد الكهرباء يختفي بعد الشحن؟.. خطوات تقديم التظلم واسترداد حقك
-
"كهربته في رجليه".. القبض على أم أنهت حياة رضيعها انتقامًا من والده بسوهاج
أكثر الكلمات انتشاراً