الأربعاء، 14 يناير 2026

05:09 م

شيخ الأزهر: تهنئة المسيحيين واجب إنساني.. والصمت عن غزة شراكة في الجريمة

الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف

الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف

بنظرة واسعة على الحالة الدينية والوطنية والإنسانية في بداية عام جديد، تشرفت جريدة صوت الأزهر في عددها الصادر اليوم الأربعاء 25 من رجب 1447 - 14 من يناير 2026، بمحاورة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، انطلاقاً من هم أمته، ومروراً بتحديات وطنه، وصولاً لرؤيته الإنسانية الواسعة.

  • فى البداية كل عام وفضيلتكم بخير وعافية بمناسبة عيد ميلادكم الثمانين، وقد شهدنا هذا العام احتفاءً واسعاً بهذه المناسبة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، لا فى مصر وحدها بل فى أرجاء العالم.

أشكركم، وأشكر كل من هنأ أو احتفى أو كتب كلمة، ولو كنت أستطيع أن أوجه لكل فرد شكراً شخصياً لفعلت، لكننى آمل أن تنوبوا عنى فى ذلك.. وقد تأثرت فعلاً بكل ما رأيته وقرأته، خصوصاً لمن دونوا منشورات من خارج مصر وبلغات مختلفة دون أن يربطهم بشخصى أى علاقة أو سابق معرفة، إلا توسمهم الخير فى هذا العبد الفقير، وأحمد الله على ظن الناس ونواياهم الحسنة تجاهى، وأرجو أن أكون عنده - سبحانه وتعالى - كما يظنون، وقد قلت فى أكثر من مناسبة إن حياتى كلها كانت لطفاً من الله تعالى، ومحبة الناس من جميل لطفه ورزقه سبحانه وتعالى؛ لأنها محبة صادقة، وزاد كريم فى الرحلة، وأثر واضح على صواب الطريق.

- قبل أيام قليلة أيضاً دخلت السنة الميلادية الجديدة ومعها احتفالات الإخوة المسيحيين بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وكعادتكم قمتم بزيارة المقر البابوى للكنيسة الأرثوذكسية ولقاء البابا تواضروس للتهنئة، لكن ورغم تلك الزيارت يكثر السِّجال والجدل حول العلاقة مع المصريين المسيحيين خصوصاً، والمسيحيين فى العالم كله، ويتصدر هذا السجال آراء متعددة حول عدم جواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية، ومدى تأثير ذلك على الأجواء المفترضة فى تلك المناسبات؟ 

أحبُّ هنا أن أكرر تهنئة الإخوة المسيحيين فى مصر والعالم باختلاف طوائفهم بأعياد الميلاد، وهو تقليد نقوم به كل عام دون غضاضة، أو أى شعور بمخالفة تعاليم ديننا، ولا نفعل ذلك بوصفه إجراءً بروتوكولياً أو شكلياً؛ فالأزهر يعتز بالعلاقة التى تربط المصريين: مسلمين ومسيحيين، والتى تنبع من الفهم الصحيح للدين، وقلنا كثيراً إن التهنئة بالأعياد ليست من باب المجاملة أو الشكليات، وإنما هى تطبيق لفهم واع لتعاليم ديننا الحنيف.. والإعلام بجميع أنواعه هو المسئول عن فتح المجال لتلك الآراء الشاذة كل عام، وقد طالبنا مراراً بتجاهل تلك الآراء بعد أن فنَّدناها أكثر من مرة، لكن إغراء الأضواء يدفع البعض فى مواسم الأعياد إلى إعادة هذا السِّجال كل عام. 

علاقة المسلمين والمسيحيين خصوصاً فى مصر هى علاقة الوحدة والإخاء، والأخوة التى تمثل الرباط المتين الذى يعوَّل عليه فى مواجهة الصعاب والتحديات، وعلينا أن نعلم أنه لا توجد فى القرآن أديان مختلفة، لكن توجد رسائل إلهية تعبِّر عن الدين الإلهى الواحد، وأن ثمة وحدة تربط نبى الإسلام محمداً، صلى الله عليه وسلم، بمن سبقه من الأنبياء، وهى الأخوة، والجميع يعرف قول النبى صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، ليس بينى وبينه نبى، والأنبياء أولاد عَلَّات؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد».

احمد الصاوي مع شيخ الازهر

-  بم تفسرون فضيلتَكم إصرار البعض على تصدير تلك الآراء والفتاوى فى مثل هذه المناسبات وكأنها جزء من الشريعة أو الفكر الإسلامى؟ 

قلت أكثر من مرة إن هذا فكر متشدد لا يمتُّ للإسلام بصلة، وإن «مصر» - وبتأثير من الأزهر الشريف- لم تكن تعرف هذا الفكر قبل سبعينات القرن الماضى؛ ولكن حدث - منذ هذه السبعينات- اختراقات للمجتمع المصرى نالت من المسلمين والمسيحيين معاً، وهيَّأت الأرض لظهور الفتنة الطائفية، وتبع هذا انهيار التعليم الحقيقى، وتشوُّش الخطاب الإسلامى الصحيح، وأصبح الحديث عن الدين أسِيرَ مظهريات وشكليات وتوجُّهات، وكنا نرى عشرات القنوات الفضائية تبث خطاباً إسلامياً دون أن يتحدث القائمون عليها فى قضية واحدة ذات أهمية أو تستند إلى علم، ولم نسمع مناقشة جادة عن قضية المواطنة مثلاً، أو ما هى فلسفة الإسلام فى التعامل مع الآخر، وبخاصة المسيحيون، والسبب فى ذلك أن معظم المتحدثين غير مؤهَّلين، وليسوا على علم بما يتحدثون فيه، وكانوا يسعون إلى نشر مذاهب يريدون من خلالها تحويل المسلمين إلى ما يمكن أن نسميه «شكليات فارغة من جوهر الإسلام الحقيقى»، وفى محاولة لصناعة ما يمكن تسميته بــ«كهنوت إسلامى جديد».

يحرِّم تهنئة المسيحيين

ومن يحرِّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم يصطدم -على نحو مباشر بتشريعات الإسلام- فى التعامل مع الآخر، وبخاصة مع المسيحيين، يقول سبحانه وتعالى فى شأن أتباع المسيح عليه السلام: «وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً» [الحديد: 27]. ويقول علماء التفسير فى هذه الآية: إن المسيحيين أهل رأفة ورحمة، وإنهم لا يحملون ضغينة، وإن هذه الصفات مستمرة فيهم إلى يوم القيامة، وهذا الكلام مسطور فى أمهات الكتب التى يدرِّسها الأزهر لطلابه.

-  البعض يروِّج أن ما يقوله فضيلة الإمام ربما تفرضه مواءمات المنصب والسياسة ولا أثر لها فيما يتعلَّمه طلاب الأزهر؟ 

على هؤلاء أن يقرأوا مناهج الأزهر أولاً، والدروس التى يدرسها الطلاب الصِّغار الذين نعلِّمهم المواطنة الكاملة باعتبارها «أصلاً» فى الإسلام يقوم على المساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات، ونعلِّمهم أن الأصل فى العلاقة مع غير المسلمين هو البر والإنصاف والتعارف والتعاون، وليس أبداً علاقة صراع، أو حَمْل الناس على الإسلام بالقوة، أو الإساءة إلى أديانهم وعقائدهم، ونعلِّمهم حق المسيحيين فى بناء كنائسهم وعدم وجود أى موانع شرعية فى الكتاب والسُّنة تمنع ذلك، بل وحق كنائس المسيحيين ومعابدهم فى أن يدافع عنها المسلمون كما يدافعون عن مساجدهم.. ولك أن تقرأ فى ذلك قوله تعالى فى سورة الحج: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» [الحج: 40]، وضعنا ذلك وأكثر فى مناهجنا ووثائقنا وخطاباتنا، فكيف يمكن لمنصف أن يقول إنها خطابات بروتوكولية أو دعائية.

-  كيف يمكن التنبُّه إلى خطورة الاستغراق فى خطابات طائفية تستهدف بالتحديد العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر؟ 

بفضح الأهداف الخبيثة لتلك المحاولات المدفوعة والمستغلَّة من جهات مختلفة كلها معادية لاستقرار المجتمع المصرى؛ حيث نجحت فى إدخال أنماط شاذة من التفكير خلت من حكمة الشريعة ومقاصدها العليا فى التعامل مع أهل الأديان الأخرى، فانحرفت بالإسلام عن سماحته، وبالفكر الإسلامى عن وضوحه ونقائه، حتى رأينا ظواهر غير مألوفة ولا مقبولة فى معاملة غير المسلمين.

ومن طبيعة هذه المعاملات السيئة أن تتسبَّب فى حدوث فتن وانقسامات واضطرابات بين أبناء الوطن الواحد، وما تلك الفتاوى الخاطئة والمغلوطة التى تمنع المسلم من أن يهنئ جاره أو صديقه المواطن المسيحى، وتحظر عليه أن يشاركه فرحه، أو يعزيه فى مصابه، إلا أداة من أدوات تفتيت المجتمعات وضرب استقرارها فى مقتل.

-  ما النصيحة التي تقدمونها للشباب خصوصاً الأزهرى للتصدي لمثل هذه الأفكار المغلوطة؟ 

أولاً: ألا يعتقدوا أن مثل هذه الفتاوى جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة؛ فالحقيقة عكس ذلك، وعليهم أن يصرفوا عنايتهم وتركيزهم لحُسن المعاملة مع أصدقائهم من المسلمين وغير المسلمين، وأن يحترسوا أشد الاحتراس من أى فكر يدعوهم إلى الإساءة للمسيحيين، أو إلى تكفير المسلمين، أو كراهية الوطن وقادته وجيشه وقوات أمنه؛ فكل هذه الأفكار هى أفكار خارجة عن هَدْى الإسلام وهَدْى رسوله، صلى الله عليه وسلم، وأحكام شريعته التى أمرت المسلم بالإحسان إلى أخيه المسلم، أياً كان مذهبه فى الفقه أو العقيدة، كما أمرته بالبر والعدل المطلق مع المسالمين من غير المسلمين، أياً كان دينهم، وأياً كانت عقيدتهم.

-  نعرف أن قلب فضيلتكم مشغول بالأبرياء فى غزة الذين يواجهون حالياً البرد القارس فى هذا الشتاء الصَّعب، بعد إبادة جماعية مكتملة الأركان استمرت عامين متصلين من التقتيل والتنكيل.. وجَّهتم نداءً عالمياً لإنقاذهم تصدرته جملة: «إما تضامن حقيقى لإنقاذهم، وإما مشاركة فى تعميق آلامهم وجراحهم».. هل ترى الصامت عن التضامن مع هؤلاء الأبرياء شريكاً فيما يحيق بهم من جرائم ومآسٍ؟ 

يجب أن نفرق بين فئتين من الصامتين: فئة ليس فى يدها ولا فى طاقتها شىء يمكن أن تقدمه لتخفيف ويلات هذه الحروب التى دخلت عامها الثالث، وهى الشعوب التى خرجت فى كل ميادين العالم لتعبِّر عن رفضها لهذا العدوان الظالم الذى يستهدف إبادة الشعب الفلسطينى وإجباره على ترك أرضه وهجران وطنه، وهؤلاء عُذرهم واضح، ويكفيهم أضعف الإيمان، وهو: إنكار الظلم والعدوان.. أما الفئة الثانية من الصامتين فهى الفئة الداعمة -فى صمت- سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وأكثر هؤلاء من الدول الغربية، ومن أعداء العروبة والإسلام، ويتحملون المسئولية الإنسانية والتاريخية كاملة مع شركائهم المجاهرين بالعدوان والظلم والهازئين بحُرمة الإنسان ودمه وحقه فى العيش على أرضه وفى وطنه؛ فلم يتعرَّض شعب فى التاريخ لمثل ما يتعرَّض له الشعب الفلسطينى على مدار عقود طويلة وصلت ذروتها لإبادة جماعية شاهدها الجميع على الهواء مباشرة، وصنعت فرزاً إنسانياً حقيقياً بين الشعوب الحرة والحكومات الداعمة لجرائم الاحتلال.

شيخ الازهر احمد الطيب

-  نداءاتكم المتكررة طوال العامين الماضيين جعلت فضيلتكم صوت الضمير للقضية الفلسطينية، لكن البعض تساءل عن الحاجة لأن يبذل الأزهر ما هو أكثر من البيان. 

الأزهر مؤسسة إسلامية علمية تعليمية فى المقام الأول، ثم هى معنية بقضايا الأمة، ووسيلة الأزهر فى التعبير عن مواقفه هى البيان بالحكمة والموعظة الحسنة، ونحن لسنا مؤسسة سياسية ولا نتدخل فى الشئون السياسية، ولا نملك إلا الضغط الإنسانى والأخلاقى مع الأطراف المختلفة، ونقول كلمتنا بوضوح ودون مواءمات، ونعبر عن كل ذلك فيما نقوم به من أدوات عبر تنظيم لقوافل الإغاثة أو دعم للطلاب الفلسطينيين، أو تنظيم للمؤتمرات التى تجعل القضية حاضرة في وعي الأجيال، وكذلك الحوار مع جميع الوفود والمسئولين فى الخارج، أو ممن يزورون الأزهر الشريف؛ من أجل خلق رأى عام مساند للقضية الفلسطينية وداعم لعدالتها، ومقر بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

-  تحدَّثتم أن الأزهر بعيد عن الشئون السياسية، لكن البعض يعتقد أن أداء الأزهر فى القضية الفلسطينية يعد تدخلاً فى السياسة الدولية؟ 

فلسطين قضية مركزية لأمتينا: العربية والإسلامية، والأزهر جزء من هذه الأمة، وطوال تاريخه الذى تجاوز الألف وثمانين عاماً، كان ضمير هذه الأمة، فضلاً عن عدالة هذه القضية، وتذكير الأزهر بأهميتها هو ممارسة لدوره بوصفه مؤسسة عربية وإسلامية فى الدفاع عن مقدسات عربية وإسلامية، والدفاع عن المستضعفين فى مواجهة حالة غير مسبوقة من الظلم والبطش، وفى ظل عجز دولى حتى عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة. 

نتشرف دائماً وأبداً بالدفاع عن فلسطين وشعبها، وهذا موقف أزهرى ثابت لا ولم ولن يتغير حتى يحصل الشعب الفلسطينى على حقوقه الكاملة ويقيم دولته وعاصمتها القدس الشريف. 

والأمة العربية قادرة - إذا ما اتحدت وخلَصتْ نواياها- على الوصول إلى حل لهذه القضية العادلة وإنقاذ هذا الشعب الأعزل من الفناء.

-  هل يؤدى موقف الأزهر من القضية الفلسطينية إلى اتخاذه موقفاً سلبياً من اليهود؟ 

نحن على وعى تام ومعرفة عميقة بالفارق البعيد بين اليهودية كديانة سماوية وبين الصهيونية كحركة استيطان واحتلال عنصرية، نحن ضد الصهيونية ولسنا ضد اليهود، وأنا ألتقى هنا فى مكتبى رجال دين وشخصيات عامة يهودية مُنْصِفة ممن يرفضون الصهيونية ويقفون مع حقوق الشعب الفلسطينى، وقد شارك بعضهم فى العديد من المؤتمرات التى أقمناها أو التى نشارك فيها، وأنا لا أتحرَّج من لقاء أى يهودى منصف لا يدعم الاحتلال، أو يرضى بقتل الأبرياء، ونحن هنا فى مصر لا يُعرف للأزهر ولا للمصريين قاطبةً أىُّ موقف سلبى من اليهود؛ فقد عاشوا بيننا فى سلام وأمان، حتى ظهرت الحركة الصهيونية وأفسدت منطقتنا وزرعت الكراهية والحقد، ورغم ذلك نحرص دائماً على أن يكون خطابنا الدينى والعام مؤكداً هذه الفوارق ومُنبهاً عليها.

-  فى ضوء ما جرى في العامين الماضيين.. كيف تقيِّمون الدور المصرى فى دعم القضية الفلسطينية؟ 

لا يمكن بأى شكل من أشكال الإنصاف إغفال أهمية الدور المصرى، أو التهوين من شأنه فى دعم الشعب الفلسطينى وحقوقه والتمسك بها، ونحن ننتهز هذه الفرصة لنؤكد أهمية دور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصياً، ومعه المؤسسات الوطنية، فى صدِّ أكبر خطر واجهته القضية الفلسطينية منذ النــكبة. 

كان المخطط هو تهجير الفلسطينيين من القطاع والاستيلاء على الأرض، وقد ظنَّ من خططوا لذلك أن مصر يمكن أن تقبل بالتواطؤ فى تنفيذ هذا المخطط، غير أن الأيام - وحدها- أثبتت أن الرئيس السيسى ومعه الدولة المصرية تعاملا مع المسألة بشرف بالغ، وأنا أدرك جيداً حجم الضغوط التى تعرَّض لها سيادته للقبول بهذا المخطط، وحجم الإغراءات التى وُضعت على الطاولة لبلد يمر بأزمة اقتصادية يعانى منها جميع المواطنين، وكيف أنه اختار الطريق الذى يليق بتاريخ مصر، وبقائد مصرى ساند قضية العرب والمسلمين الأولى بشرف وصمود، وقد كان لهذه السياسة المسئولة عظيم الأثر، لا أقول فى قلوب وعقول المصريين فقط، بل فى وعى الشعوب العربية والإسلامية وكل المؤمنين بحق الإنسان فى العيش بسلام وأمان، ورأوا فى هذا الموقف المصرى الشجاع دعماً حقيقياً لحقوق الشعب الفلسطينى، وقد شعرنا بامتنان من الشعب الفلسطينى نفسه تجاه هذا الموقف المصرى.

ولك أن تتخيل مصير القضية الفلسطينية وما ستؤول إليه - بالضرورة- من تصفية نهائية، ومن إخراج للفلسطينيين من أرضهم وشتاتهم وتوزيعهم على أرض لا يعرفونها، لو لم يكن هذا هو الموقف المصري الذي اعتصم به الرئيس والوطن من خلفه، وأعلنه منذ اللحظات الأولى من عمر هذه المؤامرة. 

-  حاول البعض الإيحاء بوجود عدم انسجام بين الأزهر ومؤسسات الدولة خلال الأعوام الأخيرة.. كيف كنت ترى تلك المحاولات؟ 

هذه المحاولات وأشباهها هى مما روَّجه البعض ونفخ على ناره، وهى جزءٌ من محاولات تفتيت هذا الوطن من الداخل، والحق يقال: إن الرئيس السيسى يبذل كل جهده لتوحيد الشعب المصرى، وإعادة بناء الوطن على أسس من الاحترام المتبادل، وقد رأينا منه تقديراً متواصلاً لدور الأزهر ومكانته العالمية، سواء فى رعاية مؤتمراته– مثل مؤتمر المواطنة ومؤتمر الأزهر لنصرة القدس.. وغيرهما- أو دعم مشروعاته أو الحفاظ على اختصاصاته، وبينما خاضت الدولة المصرية برئاسة الرئيس السيسى حرباً ضروساً على الإرهاب كان الأزهر حاضراً بقوة فى الميدان الفكرى من ميادين تلك المعركة، كما كان الأزهر على قدر المسئولية عبر تعاون كبير بين كل مؤسسات الدولة، وقد دعم الرئيس الأزهر الشريف فى كثير من المواقف الكبرى حتى من قبل أن يصل إلى الرئاسة، وقد لاحظنا خلال جولات سيادته، خصوصاً فى البلاد الإسلامية، أنه يتحدث مع قادة الدول بتقدير كبير عن الأزهر الشريف ودوره فى مكافحة التطرف والإرهاب ونشر علوم الدين الإسلامى، ويوصى المسئولين كافة بتذليل أى عقبات لدعم رسالة الأزهر. 

وخلال عامنا الجديد هذا نتطلَّع إلى تكرُّم سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى بافتتاح مكتبة الأزهر الجديدة مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية الشقيقة، الذى تكرَّم ودعَّم بناء المكتبة مشكوراً ومأجوراً، وكذلك تفضل الرئيس السيسى ووافق مشكوراً على رعاية مؤتمر الحوار الإسلامى- الإسلامى فى نسخته الجديدة المقرر انعقادها بالقاهرة فى إبريل المقبل إن شاء الله، بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، وهذا يؤكد حرص سيادته على دعم مبادرات الأزهر الشريف واحترام مكانته فى مصر والعالم الإسلامى. 

  • لكن هناك من يقول إن الأزهر عرقل جهود تجديد الخطاب الدينى التى دعا إليها الرئيس السيسى؟

الذين يقولون ذلك لا يعرفون الكثير عن الأزهر، ولم يقرأوا وثائقه المتعددة التى أصدرها فى فترة الاضطراب والتفكُّك، أو مقرراته الدراسية أو بياناته، بل لم يحضروا مؤتمراته ومنتدياته، ولم يتابعوا كل القضايا التى تحدثنا عنها، وعلى رأسها ملف الحوار الدينى وتعزيز التعايش والأخوة الإنسانية، بل ربما لم يتابعوا برامجنا التليفزيونية، ولم يقرأوا صحيفة «صوت الأزهر». 

الأزهر عبر تاريخه يؤمن بأهمية تجديد الخطاب الدينى ويعمل على ذلك، وتوَّج جهده التاريخى فى تجديد الخطاب الدينى بمؤتمر عالمى فى يناير من عام 2020م برعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى، وقد تصدى المؤتمر وبوضوح وحسم لكل القضايا التى يستند إليها المتطرفون فى بناء منهجهم المنحرف، ومنها: التكفير، والحاكمية، والهجرة، والدولة الديمقراطية، وغيرها فى إطار تصويب المفاهيم. 

وقد أرسينا- من خلال المؤتمر- رؤية شاملة للمواطنة وقضاياها، وحق غير المسلمين فى هذه المواطنة، ووضعنا رؤية شاملة للمرأة وقضاياها باهتمام كبير حتى بات الأزهر يُتهم بمحاباة المرأة، وقبل ذلك، وعلى مدى أكثر من 16 عاماً، عقدنا المؤتمرات والمنتديات وأصدرنا الوثائق، وطوَّرنا المقررات الدراسية، وأكدنا أن التجديد عملية مستمرة يتراكم فيها الإنجاز، ولا يتعارض مع تراثنا.. وهنا يجب التنبُّه إلى أن الأزهر وعلماءه الأمناء على رسالته يرفضون كل من يحلم أو ينتظر منا أن نُدير ظهرنا للتراث برُمَّته، كما نرفض بالقوة ذاتها من يكتفون بالانكفاء والاكتفاء بالتراث وإدارة الظهر لمنجزات العصر.. لدينا رؤية محورية تنبع من عمق تراثنا، هى أننا لا نقدِّس التراث وإنما نقدِّره، ونبنى على الصالح فيه وهو كثير جداً، مع الاستفادة بما يتوافق مع مقاصد شريعة هذا التراث من منجزات العصر الحديث، وبطاقة استيعاب كبيرة، وقد تحدثنا مع الشباب المسلم مؤكدين لهم أنهم كمسلمين ليسوا وحدهم فى هذا العالم، وأنهم مطالبون بالاحتكاك والاندماج والمساهمة فى الحضارة الإنسانية دون فقدان لخصوصية هويتهم الدينية، ووثَّقنا كل ذلك فى مؤلَّفات عدة صدرت عن الأزهر وهيئاته وعن مجلس حكماء المسلمين تؤكد أهمية العلاقة التكاملية الإيجابية بين العلم والإيمان. 

  • بوصف فضيلتكم مواطناً مصرياً قبل أن تكونوا شيخاً للأزهر.. كيف ترى الوضع فى مصر فى ظل التحديات الحالية؟

المؤكد أننا فى مرحلة صعبة، ومصر هى جزء من العالم، ينطبق عليها ما ينطبق عليه، وهى ما كادت تخرج من حالة الاضطراب لتنعم بالاستقرار حتى ظهرت أزمات جائحة كورونا، ثم الحرب فى أوكرانيا، ثم الصراعات فى الإقليم، ثم العدوان على غزة، وبالقطع هناك متاعب اقتصادية تمر بها الدولة وتضغط على المواطن، لكننى أثق فى قدرة المصريين وقيادتهم على عبور هذه الأزمات، ولا ينكر أحد ما تحقق فى الفترة الأخيرة من إنجازات حقيقية؛ فقد تم القضاء على «فيروس سى» الذى فتك بأرواح المصريين ردحاً طويلاً فى الزمن الغابر، وهذا مشروع «حياة كريمة» الذى ينهض بالقرى، ومشروع «تكافل وكرامة» الذى يوفر معاشات للفقراء، وصندوق بيت الزكاة والصدقات المصري، وتطوير العشوائيات، وتطوير الطرق، وإقامة الكبارى والمدن الكبرى والعاصمة الجديدة، وغير ذلك من مشروعات ومبادرات وجهود تسعى لتطوير الحياة والمجتمع، وغير ذلك من محاولات جادة ومستمرة لخفض الديون وتحسين الرعاية الصحية والاجتماعية وتطوير التعليم. 

وأعتقد أن الدولة لديها فرصة للحوار بين المختصين والخبراء لتحديد المشكلات وتقييمها، وإسهام المواطنين بجانب الدولة ومؤسساتها فى خطة التصدى لحلها والعبور بها لمواجهة الأزمات. 

ونحن نثق فى إخلاص الرئيس السيسى للوطن ورغبته فى تحقيق الأفضل، ونتابع جهداً كبيراً تبذله الحكومة وسائر المؤسسات، وندعو المصريين فى الداخل والخارج إلى التكاتف وبذل كل ما يستطيعون من جهد وطنى مخلص من أجل مصر التى تسعنا جميعاً، وندعو الله أن يوفق كل هذه المساعى الصالحة، وأن يوفق الرئيس لتحقيق تطلعات المصريين. 

- بمناسبة التحديات فى الإقليم وتأثيرها على الأمن القومى المصرى والعربى، كيف ترون حالة التفتيت والتنافس بين الأطراف العربية بما يضعف النظام العربى؟ 

تعلَّمنا أن نسأل دائماً عن المستفيد من أى شقاق.. ومن ظواهر الأمور وحدة الأمة العربية ليست فى صالح أطراف كثيرة دولية وإقليمية، ترى أن من مصلحتها أن تستمر حالة التفتيت والتمزيق وتصارُع الأقطار العربية فيما بينها، لكننا- وبرغم ذلك- نعوِّل كثيراً على حكمة قادة العرب، وأيضاً على الحكمة المصرية فى رأب الصدع، وفى تشجيع الأشقاء على بناء نظام عربى قادر على تحقيق أهداف موحَّدة قابلة للتطبيق ومتعاونة فى الوقت نفسه مع ما يستقر عليه النظام الدولى وتُحقق مصلحة الشعوب العربية، مع التنبُّه إلى أن هناك من يصدِّر للمنطقة طوال الوقت فتناً كقِطَع الليل المظلم بغية تحويلها إلى كتل من اللهب والحروب البينية ليظل العالم العربى فى حالة من التخلف والخلاف والفقر والمرض لا يبرحها فى المنظور القريب، لكننى أثق بأن الحوار والتفاهم بين القادة العرب قادر على حل الاختلافات وعلى حماية الشعوب العربية وتحقيق أمنها وسيادتها فى إطار من حسن الجوار والثقة والتعاون تحت مظلة المصالح العربية المشتركة. 

وأنا أعوِّل على حرص القادة العرب على تجاوز فخاخ الفرقة والفتنة، كما أثق بقدرتهم على الحوار وتقريب وجهات النظر فى الغرف المغلقة من أجل إطفاء الحرائق الملتهبة فى منطقتنا العربية.

- طوَّرتم خلال السنوات الماضية علاقة قوية مع «الفاتيكان» انعكست على صداقة كبرى مع الراحل الكبير البابا فرنسيس، لكن البعض يتساءل عن علاقة الأزهر بباقى ممثلى الأديان وكأنه يكتفى بالكاثوليك؟ 

هذا ظن غير صحيح، وقد يكون سببه تركيز الإعلام على هذه العلاقة، والصحيح أن علاقتنا بجميع قادة وزعماء الأديان فى العالم جيدة جداً، والحوار المحترم لا ينقطع مع الجميع، وكل المؤتمرات والمنتديات التى نحضرها منذ خمسة عشر عاماً تضم تنوعاً دينياً كبيراً لزعماء الأديان والطوائف، لكن- كما قلت لك- الإعلام يركز على علاقة الأزهر بالفاتيكان، ربما لأن الفاتيكان هو الأشهر إعلامياً وصاحب الرواج الأكبر فى الإعلام الدولى، وإلا فإن لقاءاتنا متعددة مع أعضاء مجلس الكنائس العالمى بتنوعهم الكبير، وقد التقيت أكثر من مرة الصديق العزيز: جاستن ويلبى، رئيس أساقفة كانتربرى السابق، في القاهرة ولندن وروما وكازاخستان، وتشاركنا معاً فى تدشين منتدى شباب صناع السلام كأحد مخرجات جولات حوار حكماء الشرق والغرب التى أطلقها مجلس حكماء المسلمين، وبيننا أيضاً تفاهم كبير فى كثير من القضايا، خصوصاً المتعلقة بأهمية دور الأديان في إعادة ضبط البوصلة البشرية فى اتجاه قادر على تهذيب طغيان المادية على السلوك البشرى. 

كما التقيت والأخ برثلماوس الأول، بطريرك القسطنطينية للكنيسة الأرثوذكسية المسكونية، وبيننا حوار كبير وود متصل وتعاون مشترك، ومعه سائر قادة الكنائس الشرقية، بطوائفها المتعددة. وفى سياق اجتماعاتنا التقينا رجال دين يهوداً وبوذيين وهندوساً وصابئة وزرادشتيين، وكثيرٌ منهم كان يحل ضيفاً على مؤتمرات الأزهر، وعلى لقاءات مجلس حكماء المسلمين وحواراته. 

وكذلك علاقتنا مع الكنيسة الروسية، ولدينا - الآن- لجنة مشروع الحوار الإسلامى المسيحى بين الأزهر ومجلس حكماء المسلمين والكنيسة الروسية، سوف يعلن عنها قريباً، كما أننا على تعاون دائم مع مجلس الكنائس العالمى، ولدينا مبادرات مشتركة لتعزيز الحوار.

- وكيف تتذكرون علاقتكم بالبابا فرنسيس؟ 

أتذكر أننا حين بدأنا لقاءاتنا كنا فى مرحلة استكشاف مبدئى، وكانت العلاقات مقطوعة بين الأزهر والفاتيكان، ثم بدأت بعد ذلك مباشرةً لقاءات رسمية، أو بروتوكولية كما يسمونها، وسرعان ما تطورت الأمور بعد ذلك حين تعرف كل منا على حقيقة الآخر، ولمس صدق الآخر، وأن ما ننادى به لم يكن يستهدف الاستهلاك الإعلامى، وإنما هو تعبير عن قيم راسخة وأصيلة عند كل منا، وهو ما ساعدنا على تجاوز تحديات وعقبات كثيرة، وما يمكن التأكيد عليه هنا هو: أن البابا فرنسيس كان رجل سلام ممتاز، وامتلك طاقة تسامح كبيرة، ودائماً ما سعى بصدق لتعزيز التعايش، والأهم أنه كان يحترم أديان الآخرين ويرفض التجاوز والتعصب والتمييز وكل الممارسات الإقصائية، وبهذه الطباع الشخصية نجحنا فى بناء صداقة وأخوة حقيقية، تكرست لتخفيف معاناة الإنسان المعاصر بسبب غياب الدين وقواعد الأخلاق الإنسانية من مراكز التوجيه والتأثير فى المجتمع، وسرعان ما تُوِّجت بتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية التاريخية فى أبوظبى عام ٢٠١٩م، وهى الوثيقة الأهم فى التاريخ الإنسانى الحديث، وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإجماع الآراء يوم توقيعها يوماً دولياً للأخوة الإنسانية، كما تم تبنِّيها فى عدد من المناهج والبرامج التعليمية فى الأزهر والفاتيكان ومصر والإمارات ولبنان والبحرين وأمريكا وغيرها؛ لما تتضمنه من قيم ومبادئ إنسانية سامية، فى مقدمتها: قيم الحوار والتسامح والتعايش والسلام، وجميعها قيم إنسانية وإسلامية راسخة.

ونحن على تواصل مع البابا «ليو» الرابع عشر، بابا الكنيسة الكاثوليكية واتفقنا على الاستمرار فى العلاقات الوثيقة والمشروعات المشتركة، وقد استقبل البابا ليو منذ بدء حبريته ابننا القاضى محمد عبد السلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، ممثلاً عن شيخ الأزهر ومجلس حكماء المسلمين عدة مرات، وهناك ترتيبات تجرى للقاءات قريبة -إن شاء الله- مع قداسته.

- تحدَّثتم فضيلتكم كثيراً عمن أرادوا عرقلة هذه الصداقة الوطيدة، من فعل ذلك؟ وهل هو فى الجانب المسلم أو المسيحى؟ 

 المتطرفون أو المتشددون أو المتحفظون موجودون فى كل مجتمع وحاضرون فى كل عقيدة ومذهب، هذه حقيقة، لكننا نعول دائماً على التيار الرئيسى ومصادره وفلسفاته الحقيقية داخل كل طائفة، وفى طريقنا نحو الأخوة الإنسانية مع البابا فرنسيس واجهنا آراء متشددة كثيرة، هنا وهناك، بعضها كان يحرِّم مجرد اللقاء بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، وبعضها كان يريد أن يضع شروطاً تسبق أى حوار، وكأننا فى حالة صراع لا يخدم الأهداف العليا التى نتطلع إليها، وقد حدث ذلك على الجانبين، والبابا نفسه واجه معارضات كانت تلومه على هذا الانفتاح غير المعهود، لكن فى النهاية انتصرت النيات الصادقة والمخلصة، وواصلت تلاقيها على المودة المتبادلة والصداقة والإخلاص، وجاءت حواراتنا سعياً لتعزيز التعايش بين الناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأوطانهم، وما نتحدث عنه اليوم من تعزيز الأخوة الإنسانية، ومن إقناع الناس بهذه الأخوة، وأنهم ليسوا فقط شركاء فى الأوطان، بل هم-جميعاً- إخوة من أب واحد وأم واحدة، وما تحدثنا فيه وما انتهينا إليه لم يكن غريباً عن الإسلام: قرآناً وسُنة.. اقرأ إن شئت قوله تعالى فى سورة الحجرات: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13]، ثم اقرأ قوله صلى الله عليه وسلم فى دعائه بعد الصلاة: «اللهم ربَّنا وربَّ كل شيء، أنا شهيدٌ أن العباد كلهم إخوة».

- هناك أيضاً من يعتقد أن الانفتاح الأزهرى على الخارج يأتى على حساب الداخل، وبلغة أخرى: هناك من يرى أن العلاقة مع بابا الفاتيكان تبدو أكثر وداً وقرباً من العلاقة مع بابا الكنيسة القبطية؟ 

هذا ادعاء ساذج ومُجافٍ للحقيقة، ومن يقول به لا يعرف تاريخ الأزهر ولا قناعاته، والحقيقة أن انفتاح الأزهر على العالم يأتي ترجمةً وانعكاساً لانفتاحه فى الداخل، وقبل أن نعيد بناء العلاقات مع الفاتيكان وسائر المؤسسات الدينية فى العالم، كنا قطعنا شوطاً كبيراً -وقبل ذلك بسنوات- فى ترسيخ علاقة وطيدة مع أخى العزيز البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ومن قبله البابا الراحل شنودة، وسائر زعماء الطوائف المسيحية فى مصر، جمعنا جميعاً -ولا يزال يجمعنا- بيت العائلة المصرية قبل أكثر من 15 عاماً بوصفه مؤسسة أصبحت -اليوم- نموذجاً يحتذى، وقد تلقيت تقارير عدة أشادت بتجربته الناجحة والرائدة من دول كثيرة عبر العالم، وهذا الكيان أترأسه بالاشتراك مع البابا تواضروس، ويضم فى داخله ممثلين لكل الطوائف المسيحية فى مصر، وقد نجح فى بناء استراتيجية فريدة، استطاعت القضاء على التوترات الطائفية ووأدها فى مهدها، ولا يزال بيت العائلة يمارس دوره بقوة من خلال العديد من المبادرات المشتركة التى تستهدف تأكيد قيم المواطنة والتعايش بين أبناء الوطن الواحد. 

ثم إن هناك الكثير مما أنجزناه من وثائق كان لها أكبر الأثر فى تماسك الداخل المصرى، وفى إعادة تصحيح المفاهيم، مثل: إعلان الأزهر للمواطنة والتعايش، الذى تمت قراءته من فوق منصة مركز الأزهر للمؤتمرات بحضور قادة الأديان والطوائف فى مصر والشرق الأوسط، وهو ترجمة أمينة لفهم الأزهر الصحيح لمسألة المواطنة وقيمتها وتأصيلها إسلامياً، بحسبانها ممارسة تاريخية رسَّخها وأرسى قواعدها النبى صلى الله عليه وسلم فى تأسيس دولة المدينة، وقد تصدينا لدعوات تحريم بناء الكنائس وتحريم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، وغير ذلك من الأقوال والآراء التى كانت تنغص حياة النسيج الاجتماعى الواحد للمجتمع المصرى، بل ذهب الأزهر إلى أبعد من ذلك حين ضمن هذه المفاهيم المغلوطة مع تفنيدها فى مناهج دراسية فى الصفين الثالث الإعدادى والأول الثانوى، وأقول: إنه لو لم يكن الأزهر بهذا الانفتاح الكبير فى الداخل، هل كنت تستطيع أن تصدر أعداداً من صحيفة «صوت الأزهر»، وعلى مدى سنوات مضت تحتفى بميلاد السيد المسيح عليه السلام؟!

- هناك من يقول أيضاً إن الأزهر المنفتح فى الخارج يبدو ضيِّق الصدر فى الداخل ولا يرغب فى الحوار بالقدر ذاته من التسامح مع المفكرين والكتاب الذين يهتمون بالفكر الإسلامى؟ 

هذا يتوقف على تعريفك للمفكرين والكتاب؛ فهؤلاء- كما أراهم- موجودون دائماً فى كل فعالياتنا، سواء فى مصر أو فى أى مكان فى العالم، ويكفى أن تراجع قوائم المشاركين فى هذه المؤتمرات والفعاليات لتدرك أن أبواب الأزهر كانت مُفتَّحةً ولم توصد فى وجه أحد، سواء من المتخصصين فى كل المجالات، أو من أساتذة الجامعات، أو حتى الفنانين والمشتغلين بالفكر السياسى.. لكن هناك من يرغبون دائماً فى إثارة الجدل بصرف النظر عن منهج الحوار وجديته، وهؤلاء ربما لا ننشغل بهم كثيراً، لكننا نستفيد من كل المفكرين الجادين فى تخصصاتهم مهما اختلفوا معنا؛ لأنهم أيضاً ينطلقون من اعتراف كبير وتقدير واضح لدور الأزهر ومكانته فى الماضى والحاضر والمستقبل، حتى وهم ينتقدون أداءه ودوره، لكن الذى يقول: «إن الأزهر لا قيمة له، ولا يصح أن يكون له أى دور»، كيف يمكنك التحدث إليه، فضلاً عن إجراء حوار جاد معه؟! 

إن حواراتنا مع الأطراف كافة تقوم على الاحترام والاعتراف والتقدير، وإن الأزهر لا يحمل ضغائن لأى أحد، وهو يفتح أبوابه للجميع فى هذا السياق، ويمكنك مثلاً أن تراجع جداول ندوات جناح الأزهر فى معرض الكتاب لتعرف أن نصف المتحدثين فيها غير أزهريين، وأنها ندوات مفتوحة للجمهور، وانظر إلى الدروس فى الجامع الأزهر ونشاطات مجمع البحوث، والمؤتمرات داخل الجامعة، لتجدها كذلك.. كما أن قيادات الأزهر تشارك فى أنشطة كثيرة خارج الأزهر فى الوزارات والهيئات وغير ذلك من المنتديات، وقل مثل ذلك فى الأنشطة الرياضية بين طلبة الأزهر ووزارة الشباب والرياضة وما بينهما من بروتوكولات واتفاقيات. 

وما يجب التأكيد عليه هو أن الحوار مع الأزهر لا بد أن يكون بعيداً عن نهج الإثارة التى تنتهجها بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى؛ لأن التشبث بهذا النهج هو الذى يخلق حالة التوتر والصراع.. وقبل أكثر من عشر سنوات أو يزيد تحدثت عن ضرورة نبذ الصراع وتبديد الجهد والوقت فى مساجلات تستنزف الطاقة ويحركها التربص المسبق والانتقاء والاجتزاء والبحث عن الأقوال الشاذة، وطالبت بضرورة بناء تيار وسطى من الأزهريين وغيرهم مع المثقفين، بعد استبعاد المتطرفين من كل جانب وممن يختطفون أى نقاش لأغراض غير علمية، فهذه هى الطريقة الوحيدة لحوار ناضج وراشد يستهدف المصلحة العامة وليس المصلحة الشخصية فى الرواج والانتشار وزيادة المشاهدات والإعلانات، ولعلك تدرك معى أن المعركة فى عمقها البعيد ليست معركة ضد الأزهر بقدر ما هى معركة ضد ثوابت المجتمع وقيمه الدينية والأخلاقية، وعاداته الشرقية الأصيلة، ومحاولات تذويبه فى ثقافات غربية يغنينى عن الحديث عن خطرها الماحق ما أصاب بعض شبابنا من انحرافات لم نعهدها عليه من قبل. 

- هؤلاء أيضاً يقولون إن للأزهر خطابين: خطاباً للداخل وآخر للخارج، وإن الخطابين بينهما تناقض؟ 

وهل نتحدث فى الخارج لغةً غير اللغة العربية، وهل ما نقوله فى الخارج لا يعرفه الناس فى الداخل، وما نقوله فى الداخل ألا يصل إلى الخارج؟! هذه مزاعم يبطلها الواقع العملى، كلامنا واحد لا يتغير، وعلى من يدَّعى غير ذلك أن يأتى بمثال واحد، ووسائل الاتصالات الحديثة ما عادت تسمح بمثل هذا الخطاب المزدوج، وهى خير دليل فى تفنيد هذه الدعوى، لأنه كيف! وقد صار العالم كله بفعل ثورة الاتصالات مكاناً واحداً، والكلمة التى يقولها الأزهر هنا فى المشيخة بالقاهرة أو نقولها تجد صداها- فى الوقت نفسه- على شاشات الإعلام العالمى، وما يقوله الأزهر فى إندونيسيا أو نيجيريا أو موريتانيا أو أوروبا يُسمع فى العالم كله ولا يخفى أبداً على أحد فى الداخل.

قناعاتنا نعبر عنها فى أى مكان وبلغتنا العربية الفصحى، ونظهرها فى الممارسات العملية، ونضعها فى المناهج والمقررات والوثائق، وهو أكبر دليل على أنها قناعات راسخة لا تفرق بين داخل وخارج. 

على العكس.. البعض يلوم علينا فى خطاباتنا فى الخارج أننا ربما نتجاوز البروتوكولات الخاصة بالكلمات الرسمية، فتجد أحاديثنا صادمة للبعض، ولكن لدينا قضايا وعقائد ثابتة ذات أهداف إنسانية لا مفر لنا من الدفاع عنها ومن دعمها والتذكير بها فى أى مكان وعلى أى منبر.

- بذكر خطابات فضيلتكم والعلاقة مع الخارج.. لُوحظ فى خطاباتكم نَقدٌ مستمر للحضارة الغربية حتى أثارت تساؤلات حول إنكار شيخ الأزهر لمنجزاتها؟ 

لا يوجد عاقل ينكر هذه المنجزات العظيمة للحضارة الغربية، وأنا حين أنتقدها فأنا أقول هذا الكلام فى الغرب نفسه فى معقل هذه الحضارات؛ فى باريس وألمانيا وروما ولندن وسويسرا وغيرها، وقد لاحظت أن كثيراً من الحاضرين الغربيين كانوا يتلقفون ما أقوله بصدر رحب، ولا يعتبرون هذا النقد انتقاصاً من حضارتهم بقدر ما اعتبروه رصداً لواقع حقيقى غير مقبول، وقد شاركنا فى هذه الرؤية مفكرون وفلاسفة غربيون كثيرون جداً، ونحن لا ننكر أن الحضارة الغربية قطعت شوطاً كبيراً من الإنجازات العلمية الهائلة والعظيمة التى وفرت خيراً كثيراً وهائلاً للبشرية فى كل مجالات الصناعة والطب والتكنولوجيا والفضاء، لكنها مع الأسف ربطت كل ذلك بقيمة وحيدة هى قيمة الربح، وما تسبب عنه من كوارث حين تحول الإنسان إلى مجرد آلة مادية هدفها الربح وفقط، وفى سبيل هذا الربح بِيعَت القيم الإنسانية ذاتها، وبِيعَ الإنسانُ ذاته، وبِيعَ مصيره ومستقبله فى أسواق السلاح وبورصة الصراعات على مناطق الثروة، حتى صحة الإنسان ومقومات حياته الأساسية صارت تجارة هدفها التجارة وقيم السوق والربح قبل قيم الصحة وقيم الحياة النبيلة.. بل إن الإنسان فى حريته وفى حياته على أرضه صار اليوم رهناً بمشيئة الآخرين وبما تسوِّل لهم أغراضهم وشهواتهم ونزواتهم، ومرةً أخرى يغنينى الواقع الأليم عن أى كلام فى هذه المقارنات.

هذا الغرق فى النظرة المادية هو ما انتبهت إليه حركات اجتماعية وفلسفية وفكرية أوروبية، وخرج منها مفكرون يتساءلون عن القيم الروحية المهدرة فى هذا العالم المادى الصناعى الذى حتى لم يوظف هذا الرفاه، وهذه الفوائض فى بناء السلام، وإنما استخدم كل ذلك فى تغذية الصراعات وخلق التوترات. 

- كان لافتاً دعوتكم لتحقيق السلام بين رجال الأديان أولاً.. لعلها أول خطاب نقدى من رجل دين كبير، هو إمام للمسلمين، لرجال الأديان عموماً بمن فيهم رجال الدين الإسلامى؟ 

بالقطع لا أستثنى رجال الدين الإسلامى من تلك الحالة التى وصفتُها بالصراع بين رجال الأديان؛ فهناك خطابات دينية فى كل دين ومعتقد تثير التوتر مع الآخر وتعزِّز الصراع وتنفخ فى نار الخلافات والفتن، وكى نحقق السلام بين الشعوب لا بد أن ندرك أن السلام بين أهل الأديان هو المحور الرئيسى فى صنع حالة السلام العام، وأن «الأخوَّة الدينية» كما قلت هى باعثة «الأخوَّة الإنسانية العالمية» وصانعتها، ولا مفر من أن تكون كذلك.. والبداية الصحيحة هى بعث هذه الأخوة بين علماء الأديان ورجالها؛ بحسبانهم أقدر الناس على تشخيص العلل والأمراض الخلقية والاجتماعية وأبصرهم بطرق العلاج فى هذا المجال، خصوصاً مع وجود نزعات تعادى الأديان وتستهين بها وتجتهد فى إقصائها لصالح تقديس المادة. 

لذلك كان مهماً جداً أن يطلق الأزهر دعوته إلى أولوية صنع السلام بين علماء الأديان ورموزها ومؤسساتها؛ إذ ليس من المعقول والمقبول أن يخرج رجال أديان يدعون إلى السلام ويحضون السياسيين والعسكريين على صنع السلام فيما هم فاقدون لهذا السلام فيما بينهم وبين بعضهم، بل ويحرضون أتباعهم على الكراهية والعنصرية والاستعلاء والتمييز.. وقديماً قيل: «فاقد الشىء لا يعطيه». 

- البعض يفسر هذا الانفتاح ودعوات الإخاء الإنسانى فى إطار مساع لدمج الأديان؟ 

الأخوَّة الإنسانية لا تعنى مطلقاً الدعوة إلى إدماج الأديان فى دين واحد؛ فمثل هذه الدعوة لا ينادى بها عاقل ولا يقبلها مؤمن أياً كان دينه، وهى فكرة مدمرة للأديان، ومجتثة لها من الجذور، وهى فى أفضل أوصافها خيال عبثى وأحلام غير قابلة للتصور، فضلاً عن التحقق، فقد قضى الله تعالى أن يجعل لكلٍّ شرعةً ومنهاجاً.. وما أقصده فى هذا الموضوع هو الدعوة إلى العمل الجاد من أجل تعزيز المشترك الإنسانى بين الأديان وبعث قيم التعارف والاحترام المتبادل بين الناس، وهى كثيرة ومتعددة.

- هل الشيعة جزء من هذه الرؤية للانفتاح والتعاون والأخوَّة؟ 

هم إخوة لأهل السنة، ولا يحتاجون إلى وثائق للتأكيد على ذلك، وهم جزء من الأمة الإسلامية، وجزء من أوطاننا العربية، ويتمتعون بمواطنة كاملة فى كل البلاد العربية التى يتواجدون فيها، ليس فقط الشيعة، بل أيضاً: الزيدية والإباضية وغيرهم من مكونات العالم الإسلامي.

والأزهر هو صاحب مدرسة التقريب وتعزيز التفاهم بين المذاهب، والساعى- دائماً- إلى وحدة الأمة الإسلامية حول أهدافها الكبرى؛ وحدة الفكر والموقف مهما تعددت مذاهبهم، وأنا شخصياً تربطنى علاقة الأخوَّة العلمية بكثير من مراجع الشيعة العرب وغير العرب، وبيننا مودة وتقدير واحترام متبادل فى كل لقاءاتنا، وها هو الأخ العزيز: السيد على الأمين، زميل لنا فى عضوية مجلس حكماء المسلمين، ويشاركنا فى اجتماعاتنا ورؤيتنا وأهدافنا، وكذلك الأخ الفاضل الشيخ أحمد مبلغى معنا فى مبادرة الحوار الإسلامى، والعديد من المراجع الشيعية من العراق وبلاد المسلمين مثل العلماء أبناء السيد الخوئى والسيد الحكيم وغيرهم من المراجع العلمية.. وصحيح أن توقعات المسلمين كبيرة، لكن ككل الحوارات والعلاقات أحياناً يكون صوت المتطرفين عالياً، والبعض يحاول توظيف هذا التقارب توظيفاً سياسياً، غير أن الأزهر ليست له علاقة بالسياسة ولا بالعلاقات الدولية، خاصةً العربية والإسلامية، ولا يقبل أن يوضع فى مواضع استغلال سياسى لانفتاحه أو سَعة صدره. 

لكن، ونحن نعلن دعوتنا فى كل مكان فى العالم العربى والإسلامى لدعم المواطنة الكاملة والاندماج الإيجابى بين كل عناصر الوطن الواحد، لا نستثنى الشيعة من هذه الدعوة، بل نسعد كلما رأيناهم مندمجين فى أوطانهم ومشاركين فى نهضتها.. وقد يحمل المستقبل القريب قفزات مهمة فى هذا الملف، خصوصاً فى السياق العربى، وقد عقدنا والحمد لله جولة ناجحة من الحوار الإسلامى- الإسلامى بالبحرين توَّجناها بإطلاق «نداء أهل القبلة» الذى نبنى عليه فى الوحدة الإسلامية العُلمائية، وننتظر الجولة الثانية بالقاهرة فى إبريل المقبل لتحقيق المزيد إن شاء الله!

- بالحديث عن الضغوط، كيف يتعامل الأزهر وقادة الأديان مع الإلحاح الكبير من مؤسسات كبرى ومتنفذة على التطبيع مع الشذوذ والممارسات التى تهدد كيان الأسرة السويَّة.. وهل هناك توافق فى هذا الصدد؟ 

لا يمكن أن نقبل بأى ضغط أو تنازل فى مواجهة هذا الخطر، وهناك توافق مجتمعى كبير داخل مصر فى رفض ذلك، وهناك رؤية دينية مشتركة عبَّرنا عنها فى مؤتمر بيت العائلة الأخير، بمشاركة الأزهر وكافة الكنائس المصرية لرفض هذا التغلغل ومحاولات الهيمنة وفرض تلك النماذج الشاذة عبر المؤسسات الفنية والإعلامية الناعمة، بل ومحاولة الوصول إلى الأطفال ومناهجهم والمحتوى الذى يتعرضون له. 

وهذا الملف معروض باستمرار على قادة وزعماء الأديان فى العالم فى كل مناسبة واجتماع، وهناك توافق على رفض هذا السلوك، وتأكيد- لا يتوقف- على دعم مؤسسة الأسرة الطبيعية التى تتكون من زوج وزوجة - فقط لا غير- حمايةً للفطرة السوية ولبقاء البشرية كما أراد لها الله تعالى، وهو ما نصت عليه وثيقة الأخوَّة الإنسانية التاريخية، ومازلنا فى حاجة إلى بذل مزيد من الجهود والتخطيط لاستراتيجية شاملة للوقوف أمام تلك الهجمة التى تستهدف قيمنا وأخلاقنا وفطرتنا، وقد شاركت فى مؤتمر حاشد فى مدينة روما فى أكتوبر الماضى، وقلت بالحرف الواحد، وبحضور فخامة السيد الرئيس سيرجيو ماتاريـلا، رئيس الجمهورية الإيطالية، والملكة ماتيلد، ملكة بلجيكا، وقادة الفكر من الشرق والغرب، قلت: «هناك أزمات اجتماعية تترصَّد مقدسات الشعوب، وتعبث بعقائدها وثوابتها الدينية والأخلاقية، ولا تكف عن تربصاتها بمؤسسة (الأسرة) والأطفال، وتصدير بدائل شاذة تنكرها الأديان والأخلاق، وتنفر منها الأذواق السليمة الصحيحة، وترفضها الفطرة الإنسانية التى فطر الله الناس عليها من عهد آدم عليه السلام إلى يومهم هذا». 

- كثير من المحللين عربياً ودولياً أكدوا أن الجهد المشترك الذى قمتم به فضيلتكم مع بابا الفاتيكان وتوقيع وثيقة الأخوَّة الإنسانية يستحق جائزة نوبل فى السلام، لكن موقف شيخ الأزهر الداعم للقضية الفلسطينية والمناهض لدعاة المِثلية يعوق ذلك؟ 

لو كان ذلك صحيحاً فقد حصلت على ما هو أهم من أى جائزة. لست بفضل الله ممن يشغلون أنفسهم بالجوائز أو الماديات أو يسعون إليها، أنا رجل بسيط جداً، وجائزتي التي أحبها هي كتاب وقطعة خبز وكوب شاى وجلسة هادئة أسفل شجرة فى منزل العائلة بصعيد مصر.

لا أهتم بالترشيحات ولا أتخذ مواقف ولا أطرح آراء سعياً لاستحسان هذا أو استهجان ذلك، فقط يكفينى أن أحمل، ومعى أساتذتى وزملائى وتلاميذى داخل الأزهر الشريف، أمانة العلم، وهو تشريف كبير وتقدير يفوق أى تقدير، وتكليف نسأل الله أن يعيننا عليه. 

أنا رجل قد بلغ الثمانين من عمره، وأشعر بأن الله تعالى كفانى بحلاله عن حرامه وأغنانى بفضله عمَّن سواه، وأننى عازف عن كثير مما فى أيدى الناس من زينة الحياة الدنيا، ولا أظن أن عندى ما يجعلنى أستبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير، فرضا الله سبحانه، وخدمة الإسلام والمسلمين، والمناداة بحق العدل والسلام والاجتهاد فى حماية الضعيف ونصرة المظلوم أينما كان وكيفما كان، وأياً كان دينه أو اعتقاده؛ فشريعتنا تنبذ الظلم وتحرِّمه تحريماً قطعياً.. كل ذلك هو أقصى ما أبتغيه، وغاية ما أطمح إليه فيما تبقى لى من العمر، وأدعو الله أن يوفقنى فيه ويعيننى عليه.

اقرأ أيضا:

في ذكرى ميلاده الـ80، شيخ الأزهر يروي رحلة عمر بين الحروب والسلام

شيخ الأزهر يدعو اليمنيين لتغليب روح الأخوة وإعلاء صوت العقل والحكمة

search