الثلاثاء، 20 يناير 2026

08:29 م

تستوعب آلاف العمالة، كيف تعيد عصارات المنيا الدولارات المنسية إلى الصعيد؟

عصارات العسل الأسود بالمنيا

عصارات العسل الأسود بالمنيا

بأدوات بسيطة مسكونة بروح الأصالة، وعزيمة لا تلين، تدور تروس "عصارات العسل الأسود" في قلب الصعيد لتنسج ملحمة اقتصادية تُعرف بـ “دولارات الصعيد”، هي صناعة لا تمثل مجرد مصدر رزق، بل هي قاطرة تنمية منسية يمكنها أن تنهض بمحافظات الوجه القبلي عامة، ومحافظة المنيا خاصة، التي باتت "عاصمة العسل الأسود" بلا منازع.

المنيا قلعة الصناعة بـ 70% من الإنتاج المحلي

تؤكد الإحصاءات الرسمية أن محافظة المنيا تمتلك نصيب الأسد من هذه الصناعة، حيث تضم وحدها أكثر من 200 عصارة من أصل 400 على مستوى الجمهورية، ويبرز مركز "ملوي" كأكبر مركز لتصنيع وتصدير العسل الأسود، ليس للسوق المحلي فحسب، بل للعالم أجمع، حيث تساهم المحافظة بنحو 70% من إجمالي الإنتاج القومي للعسل الأسود في مصر.

عمال في عصارة للعسل الأسود بالمنيا

رحلة "القصب" من الحقول إلى القدور النحاسية

يقول الحاج محمد عبد الهادي، أحد أقطاب الصناعة في المنطقة، إن المنيا تنفرد بزراعة قصب السكر على مساحات شاسعة تصل لـ 37 ألف فدان، مضيفًا أن "القصب محصول متاح طوال العام، وعصيره هو المشروب المفضل للمصريين لفوائده الصحية الجمة، لكن تحويله إلى عسل هو الفن الحقيقي".

وعن كواليس الصنعة، يوضح عبد الهادي في حديث لـ “ تليجراف مصر ” : "نستقبل القصب من الفلاحين عبر الجرارات، ثم تبدأ رحلته في المواسير لتستقر في القدور النحاسية الكبيرة التي تغلي لساعات، لتمر بعدها بمراحل التصفية الدقيقة"، مشيراً إلى أن العسل الأسود يدخل في أكلات شعبية تراثية مثل "المفتقة" والفطير المشلتت، مما يجعله سلعة استراتيجية في كل بيت مصري.

عملية تصنيع العسل من قصب السكر

جيش من العمالة وشبح "الاحتكار"

لا تتوقف أهمية هذه الصناعة عند المنتج النهائي، بل في قدرتها التشغيلية الهائلة؛ حيث تفتح العصارة الواحدة بيوت أكثر من 45 عاملاً، من بينهم شباب من حملة المؤهلات العليا الذين وجدوا في هذا العمل الشاق ملاذاً من البطالة.

غلايات العسل

ورغم هذا العائد الاجتماعي، يفتح الحاج "محمود "ملف الأوجاع قائلاً: “نعاني من أزمة التسويق؛ فالتجار الكبار يحتكرون السوق ويتحكمون في الأسعار، مما يجعلنا كبش فداء لسطوتهم”. 

مراحل التصنيع.. 9 ساعات من الغليان

من جانبه، يستعرض أحمد إبراهيم، أحد العمال بالعصارة، الجانب الفني للعملية، موضحاً أن صناعة العسل تمر بأربع مراحل رئيسية هي: (الجمع والنقل، العصر والطبخ، التصفية، ثم التعبئة)، مضيفًا"بعد عصر العيدان، ينقل السائل السكري إلى أحواض ساخنة، حيث يستمر الغليان لمدة تصل إلى 9 ساعات متواصلة حتى يصل إلى القوام المصفى المطلوب، وبعد التأكد من جودته وخلوه من الشوائب، يُعبأ في عبوات بلاستيكية أو صفائح لتوزيعه".

غلايات القصب

صناعة موسمية تبحث عن "التطوير"

تعد صناعة العسل نشاطاً موسمياً يمتد لنحو 6 أشهر، تبدأ مع موسم الحصاد في أكتوبر وتنتهي بعد 5 أشهر، ورغم الإمكانيات الضخمة للمنيا، إلا أن الخبراء والمصنعين يتفقون على أن هذه العصارات ما زالت تعمل بطرق "بدائية" تفتقر إلى التطوير التكنولوجي.

مرحلة تجميع القصب

إن تحديث هذه الصناعة وتحويلها من نمط "الورش البدائية" إلى "المصانع المتطورة" ليس مجرد مطلب للمصنعين، بل هو ضرورة اقتصادية لتحويل "عسل المنيا" إلى عملة صعبة تتدفق في خزينة الدولة، وتضع الصعيد المنسي على خارطة الاستثمار العالمي.

اقرأ أيضا:

مدبولي يتابع مع الوزارات المعنية تطوير منظومة الري لزراعة قصب السكر

search