الأربعاء، 28 يناير 2026

10:06 ص

اللواء أيمن عبّد القادر

اللواء أيمن عبّد القادر يكتب: التجربة السويسرية في المرور

تُعد سويسرا من الدول التي نجحت في تحقيق انضباط مروري واضح، وذلك بفضل فلسفة مختلفة في التعامل مع المخالفات المرورية، تقوم على مبدأ العدالة في الأثر وليس المبلغ الثابت، فالفكرة الأساسية في النظام السويسري ليست “كم الغرامة؟” بل “ما تأثيرها الحقيقي على المخالف؟”.
 

في مراحل سابقة، كانت بعض الغرامات تُربط بسعر السيارة، بحيث تكون مخالفة السيارة الفارهة أعلى من مخالفة السيارة الرخيصة، انطلاقًا من افتراض أن مالك السيارة الأغلى يمتلك قدرة مالية أكبر. إلا أن هذا النظام كشف مع الوقت عن ثغرة واضحة، حيث لجأ بعض الأثرياء إلى شراء سيارات رخيصة واستخدامها داخل المدن، ليس لحاجتهم إليها، ولكن لتقليل قيمة المخالفات المحتملة، وهو ما أضعف فكرة الردع وأفرغها من مضمونها.
 

ونتيجة لذلك، طورت سويسرا نظامها ليصبح أكثر عدالة وفعالية، فتم ربط المخالفات المرورية الجسيمة بالحالة المالية الحقيقية للمخالف، من خلال دخله ووضعه المادي العام، وليس بنوع السيارة التي يقودها. وهنا من المهم جدًا التأكيد على أن هذا النظام لا يُطبق على جميع المخالفات المرورية، وإنما يقتصر على المخالفات الخطيرة التي تُصنَّف قانونيًا باعتبارها جرائم مرورية جسيمة، مثل السرعة المفرطة جدًا، القيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، أو السلوكيات التي تعرّض حياة الآخرين لخطر حقيقي.
 

كما أن تقدير هذه الغرامات لا يتم بشكل تلقائي أو إداري، ولا تفرضها الشرطة مباشرة، بل تصدر بقرار من المحكمة المختصة، بعد دراسة الوضع المالي الفعلي للمخالف، في إطار قانوني واضح يضمن العدالة وعدم التعسف. وتستخدم المحاكم السويسرية في هذه الحالات نظامًا يُعرف بالغرامات اليومية، حيث يتم تحديد عدد من “الأيام” كعقوبة، ثم تُحتسب قيمة اليوم الواحد وفق دخل الشخص وقدرته المالية.
 

وبموجب هذا النظام، يمكن تصور المخالفة المرورية الجسيمة على أنها عبء مالي متناسب مع وضع السائق الحقيقي. فلو افترضنا – على سبيل المثال – أن مخالفة خطيرة ما تُقدَّر بقيمة تعادل نسبة معينة من دخل الشخص أو قدرته المالية، فإن الغرامة تختلف جذريًا من شخص لآخر. وبهذا الأسلوب تتحقق المساواة في الأثر، لا في الرقم، لأن العقوبة تكون مؤلمة للجميع بالدرجة نفسها، سواء كان المخالف غنيًا أو محدود الدخل.
 

ويُعد هذا من وجهة نظري نموذجًا عادلًا للغاية، لأن العقوبة هنا لا تكون شكلية على شخص قادر ماديًا، ولا قاسية بشكل غير منطقي على شخص دخله محدود. فعلى سبيل المثال، إذا كانت قيمة مخالفة مرورية في مصر تبلغ 5000 جنيه، فإن تأثير هذا المبلغ يختلف بشدة من شخص لآخر؛ فقد يكون رقمًا بسيطًا لا يُذكر بالنسبة لشخص يمتلك دخلًا مرتفعًا وحسابًا بنكيًا كبيرًا، بينما يمثل عبئًا ثقيلًا وربما أزمة مالية حقيقية لشخص آخر دخله محدود. النظام السويسري يتجاوز هذه الإشكالية من جذورها، لأنه لا ينظر فقط إلى رقم الغرامة، بل إلى القدرة الحقيقية على الدفع، ويحمّل كل شخص مسؤولية تتناسب مع وضعه المادي.
 

ويُضاف إلى ذلك وجود تصنيف واضح للمخالفات، ونظام نقاط وسحب للرخصة، ورقابة إلكترونية دقيقة لا تقبل الوساطة أو الاستثناء، إلى جانب وعي مجتمعي مرتفع بأهمية احترام القانون. أما المخالفات البسيطة وغير الخطيرة، فلها في سويسرا غرامات ثابتة تُفرض إداريًا، وهو ما يؤكد أن النظام متوازن، ولا يقوم على العقاب المبالغ فيه، بل على التناسب والعدالة.
 

وبالمقارنة مع الوضع في مصر، فإن الغرامات الثابتة الحالية لا تحقق دائمًا الردع المطلوب، خصوصًا في ظل التفاوت الكبير في الدخول. ومع ذلك، فإن الاستفادة من التجربة السويسرية تظل ممكنة إذا تم تطبيقها بشكل تدريجي ومدروس، بدءًا من تشديد العقوبات على المخالفات الجسيمة، والتوسع في الرقابة الإلكترونية، وربما في مرحلة لاحقة التفكير في ربط قيمة بعض الغرامات الخطيرة بالحالة المادية للمخالف، بما يحقق العدالة، ويحمي الأرواح، ويجعل احترام القانون سلوكًا حقيقيًا لا مجرد التزام شكلي.

search