الخميس، 29 يناير 2026

05:20 ص

د / محمد الجازوى

حبل للحمار

يحكى أن رجلًا اشترى حمارًا، وحين عاد إلى منزله أراد أن يربطه حتى لا يهرب، فذهب إلى صديقٍ له يسأله عن حبل، إلا أن الوقت كان متأخرًا ولم يكن لدى الصديق حبل، فاقترح عليه فكرة غريبة، أن يُوهم الحمار بأنه مربوط، طلب منه أن يتظاهر بلف الحبل حول رقبته، ثم يربطه في شباك المنزل، نفّذ الرجل الفكرة، وفي الصباح وجد الحمار واقفًا في مكانه وكأنه مربوط بالفعل.  

وهنا نجد قدرة العقل على تصديق الوهم وتحويله إلى واقع، فالعقل حين يقتنع بصورة ذهنية ما، يتعامل معها وكأنها حقيقة، حتى وإن كانت بعيدة تمامًا عن الواقع.

فالكثير مننا يقع فى هذا الفخ من الأوهام غير الحقيقية ولكن أيضا الكثير منا يصدق هذه الأوهام، فنرى هذا الوهم يتجسد بأشكال مختلفة، أبرزها عندما يذهب أحدنا للطبيب وهو مقتنع بإصابته بأمراض خطيرة، فتبدأ أجساده في إظهار أعراض حقيقية دون وجود سبب عضوي واضح. 

ويُطلق الأطباء على هذه الحالة «الأمراض النفسجسمية»، حيث يفرض العقل أوهامه على الجسد، وفى الآخر لا يجد شيئا ولا يتوقف تأثير الوهم عند الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى الحياة العملية والاجتماعية. 

فكم من شخص قيّد نفسه بفكرة الفشل أو العجز، فظل واقفًا مكانه لسنوات طويلة، رغم امتلاكه كل المقومات التي تؤهله للنجاح، وعلى النقيض، نجد أشخاصًا تجاوزوا ظروفًا قاسية فقط لأنهم آمنوا بقدرتهم على التغيير. 

إن أخطر الأوهام تجدها فى عصورنا الحالية، أولها وهم الصورة وهو الاهتمام بالمظهر أمام الناس أكثر من الحقيقة الداخلية، وثانيه وهم السيطرة وكثير منا يظن أنه متحكم فى كل شيء بينما كثير من الأمور خارج إرادته. 

أما وهم المعرفة - وده الفهلوي - يعتقد أنه يفهم كل شيء فيغلق باب التعلم والنمو والتطور، ولكن يطاردني سؤال لماذا نترك الآخرين يرسمون الوهم على عقولنا ونقتنع دون تفكير؟ فالكل يبيع الوهم والكثير يشترون من أجل الهروب من الألم أو الخوف من الحقيقة أو الضغوط والمقارنات أو السوشيال ميديا وصناعة الصورة الزائفة دون البحث عن الحقيقة.

الوهم ليس كذبًا صريحًا، ولا خيالًا بريئًا، بل منطقة رمادية نلجأ إليها حين تصبح الحقيقة أثقل من قدرتنا على الاحتمال، هو ذلك الصوت الداخلي الذي يُجمّل الواقع، ويعيد تشكيله بما يناسب مخاوفنا ورغباتنا، فنطمئن مؤقتًا، ثم نتعثر لاحقًا.

نعيش أحيانًا داخل أوهام لا ننتبه لوجودها، نظن أننا نعرف أنفسنا جيدًا، وأننا نفهم الحياة كما هي، بينما نحن في الحقيقة نراها كما نحب أن تكون، نُقنع أنفسنا بأن أشخاصًا لن يتغيروا، وأن ظروفًا ستتحسن وحدها، وأن الصبر وحده كافٍ دون فعل أو قرار، وهنا يبدأ الوهم في التحول من حماية نفسية إلى فخ هادئ. 

أخطر أنواع الوهم ذلك الذي يرتدي ثوب الحكمة، أن نُسمي الخوف تعقّلًا، والتأجيل صبرًا، والرضا القسري قناعة، نختبئ خلف عناوين نبيلة، بينما الحقيقة أننا نخشى المواجهة، نؤجل الاعتراف بأن علاقة ما تستنزفنا، أو أن طريقًا نسير فيه لا يشبهنا، إن أخطر أنواع القيود هي تلك التي لا تُرى، لأنها تُصنع داخل العقول، وتُفرض على أصحابها دون أي قوة خارجية، فالوهم قد يصنع مرضًا، وقد يهدم طموحًا، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يكون أداة إيجابية إذا استُخدم لبناء الثقة وتعزيز الأمل. 

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن نُراجع أفكارنا قبل أن نستسلم لها، وأن نُدرك أن كثيرًا مما يمنعنا من التقدم ليس واقعًا حقيقيًا، بل أوهامًا صدّقناها، فوقفنا في مكاننا، تمامًا كما فعل ذلك الحمار الذي لم يكن مربوطًا إلا في عقله.

search