كابوس "النسبة المرنة" يطيح بحلم الطلاب المغتربين في دخول جامعات مصر
حرمان الطلاب المصريين بالخارج من مقاعد الجامعات المصرية واتاحتها للوافدين
في غرفة ضيقة بإحدى دول الخليج، يجلس أحمد (18 عامًا) يحملق في شاشة هاتفه للاطلاع على نتيجته في الثانوية العامة بعد تعب وجهد كبير في سنوات الغربة.. لقد حصل على مجموع 99.5%، وهو رقم يكاد يلامس حد الكمال، لكنه في عرف "تنسيق الشهادات المعادلة" لم يكن كافيًا لحجز مقعد واحد في أي جامعة حكومية داخل وطنه مصر!
على النقيض، هناك آخرون مثل "صهيب" (سوري الجنسية) و"ميرغني" (سوداني الجنسية)، الحاصلان على مجموع 75% فقط، يناقشان رفاهية الاختيار بين دراسة الطب في جامعة القاهرة أو إحدى جامعات الأقاليم، وهو مشهد انقلبت فيه الموازين: متفوق مصري بلا فرصة للالتحاق بجامعة في بلده، وطلاب أجانب بمجاميع أقل يحتلون مقاعد "كليات القمة".
هنا لا نتحدث عن مجرد أرقام، بل عن الـ5%، الكوتة المخصصة لأبناء المصريين بالخارج، التي تحوّلت من بوابة للعودة إلى الوطن، إلى مقصلة لأحلام الأسر، تدفعهم نحو خيارين أحلاهما مر، إما استنزاف المدخرات في الجامعات الخاصة، أو الهجرة التعليمية بلا رجعة.

تفوق بلا ثمن.. المجلس الأعلى يحدد نسبة 5% للشهادات المعادلة
تبدأ القصة بما يسمى "النسبة المرنة" أو نظام الـ5%، حيث يخصص المجلس الأعلى للجامعات نسبة محدودة جدًا من المقاعد لحملة الشهادات المعادلة (العربية والأجنبية) تتناسب مع أعدادهم مقارنة بطلاب الثانوية العامة المصرية، لكن هذه النسبة، بحسب أولياء الأمور والطلاب، تحولت إلى فخ.
تقول "أم سيف"، ولية أمر كانت تقيم بالكويت، إن نجلها أنهى الثانوية عام 2022 بتفوق، واضعًا كليات الطب الحكومية هدفًا وحيدًا، جاءت نتيجة التنسيق صادمة بكلمة واحدة: "استنفاد رغبات"، وأغلقت الجامعات الحكومية أبوابها، ليجد الطالب نفسه مرشحًا لمعهد فني رغم تفوقه.
تضيف الأم: "تلقينا عرضًا فوريًا من الجامعات الخاصة.. الدفع يعني القبول"، اضطرت الأسرة لدفع 130 ألف جنيه سنويًا لإلحاق ابنها بطب الأسنان، وتواجه الآن كابوسًا مع اقتراب ابنتها وابنها الثالث من المرحلة الجامعية، وتتساءل: "كيف أتحمّل مصاريف ثلاث كليات علمية خاصة؟".
حالة "سيف" تكررت مع "رضوى" (99.2%) التي رفض والدها حتى المحاولة في التنسيق الحكومي لتيقنه من الفشل المسبق، ليدفع 105 آلاف جنيه سنويًا لجامعة خاصة، وكذلك مع "رحمة" التي حصلت على 97.5% بعد المعادلة واجتازت اختبار القدرات، لتجد نفسها في كلية الحاسبات والمعلومات، بينما زميلتها السودانية الحاصلة على مجموع أقل التحقت بكلية الطب.
رحمة روت موقفًا قالت إنها "لا يمكن أن تنساه مع إحدى زميلاتها السودانيات"، مؤكدة أن زميلتها قالت: "أنا هدخل طب في مصر أسرع منك".
“درجة واحدة” حرمت طالبًا متفوقًا من الطب الحكومي
وتقول نهى نبيل، والدة طالب متفوق حرمته "درجة واحدة" من الطب الحكومي بينما التحق به زميله الوافد: "الأولاد انكسروا.. ولديهم رغبة في الحصول على حقهم في التعليم ببلدهم".

بوابة الدولار.. الوافدون أولًا
على الجانب الآخر تبدو الصورة مغايرة تمامًا للطلاب الوافدين، فالطالب السوداني محمود أسامة، لم يحتج سوى لـ75% في الثانوية العامة ليحجز مقعده في كلية الطب بجامعة سوهاج.
يقول محمود إن الإجراءات كانت ممهدة، والمصروفات لم تتجاوز 100 ألف جنيه (ما يعادل قيمتها بالدولار حينها)، مع مرونة فائقة في تعديل الترشيح.

تؤكد البيانات الرسمية هذا التباين، حيث قفز عدد الطلاب الوافدين المقبولين في الجامعات المصرية من 12 ألف طالب في عام 2019-2020 إلى نحو 26 ألف طالب في 2023-2024، ويدرس حاليًا نحو 125 ألف طالب أجنبي يدفعون رسوهم بالدولار، وفقًا لبيانات وزارة التعليم العالي.
يكشف محمد عبداللطيف، يعمل في إحدى مكاتب المحاماة ويروج لنفسه على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره متخصص في شؤون الطلاب الوافدين وإلحاقهم بالجامعات الحكومية، أن التنسيق الخاص بالأجانب يسمح بقبولهم في الطب بمجاميع قد تبدأ من 75% مقابل سداد رسوم تصل إلى 6 آلاف دولار سنويًا (نحو 300 ألف جنيه مصري)، وهذه "الدولارات" تمنحهم أولوية على حساب الطالب المصري الذي يعامل بالجنيه المصري ويخضع للتنسيق.

صراع الوزارات.. و"السمسرة" التعليمية
رسميًا، هناك تخبط واضح، حيث أكد مسؤول بوزارة الخارجية (فضل عدم ذكر اسمه) تلقي الوزارة سيلًا من الشكاوى، لافتًا إلى أن دورهم يقتصر على تحويلها إلى وزارة التعليم العالي.
يقول المسؤول: "وزارة التعليم العالي ترد دائمًا بأن النسبة مرنة وتتغير سنويًا، ونحن نحاول الالتفاف على الأزمة عبر التفاوض مع جامعات أهلية لتقديم برامج بأسعار تفضيلية للمغتربين، لأننا عاجزون عن الوصول لنتيجة مع التعليم العالي".

فيما يرى الدكتور وائل كامل، الأستاذ في جامعة حلوان، أن الوضع الحالي يفتقر للعدالة والدستورية، ويتساءل: "كيف تخصص نسبة تصل لـ25% للوافدين بينما يحرم ابن البلد المتفوق؟"، ويشير إلى أن وضع تنسيق الشهادات المعادلة في ذيل مراحل التنسيق يعد إجحافًا متعمدًا.
مجلس النواب يدخل على الخط
القضية انتقلت إلى مجلس النواب، حيث تؤكد وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، الدكتورة هايدي المغازي، وجود "فجوة تشريعية"، وترى أن تعليم أبناء المصريين بالخارج ليس ترفًا، بل ضرورة لربطهم بالوطن، خاصة أن تحويلات المصريين بالخارج تمثل أحد أهم موارد الاقتصاد المصري بنحو 40 مليار دولار سنويًا.

رد التعليم العالي: الوافدون الأجانب لهم معاملة خاصة
من جانبه، أوضح رئيس قطاع التعليم بوزارة التعليم العالي، جودة غانم، أن منظومة القبول الجامعي في مصر تقوم على مسارات منفصلة لا يجوز الخلط بينها أو المساواة بينها بمعيار واحد، مؤكدًا أن كل شهادة دراسية لها طبيعتها وقواعدها الخاصة في التنسيق.
وأشار غانم إلى أن الطلاب المصريين الذين يدرسون في الخارج ويحصلون على شهادات عربية أو أجنبية، يخضعون أولًا لإجراءات معادلة الشهادة، ثم يتم إدراجهم ضمن تنسيق الشهادات المعادلة، وهو تنسيق مستقل تمامًا عن تنسيق الثانوية العامة المصرية، موضحًا أن "مسطرة القياس مختلفة"، ولا يمكن مقارنة مقررات أو نظم تعليمية غير متماثلة على أساس واحد.
وفيما يخص الشهادات العربية، وعلى رأسها الشهادة السودانية، أكد أن معادلتها تخضع لشروط دقيقة، من بينها إثبات الإقامة الفعلية للطالب في الدولة التي حصل منها على الشهادة، لضمان عدم التحايل على قواعد القبول، كما شدد على أن الوزارة تفتح مرحلة تنسيق خاصة بالشهادات المعادلة العربية والإنجليزية، ويُقبل بها الطلاب المتفوقون وفق الطاقة الاستيعابية المتاحة، وليس على حساب طلاب الثانوية العامة.

وأوضح غانم أن الطالب السوداني أو الوافد يعامل كطالب وافد، ويخضع لقواعد قبول مختلفة تمامًا عن الطلاب المصريين بعيدًا عن التنسيق تمامًا، لافتًا إلى أن معاملة الوافدين شيء، ومعاملة المصريين الدارسين بالخارج شيء آخر، ولكل فئة نظام تنسيق منفصل.
وأضاف أن الطلاب الأجانب يتقدمون عبر مسار الوافدين، بعيدًا عن مكتب التنسيق الحكومي، وغالبًا من خلال منصة “ادرس في مصر”، حيث يتم توزيعهم على جامعات محدّدة وبمعدلات قبول مختلفة، مع مصروفات خاصة، مؤكدًا أن هذا المسار "منفصل بالكامل عن تنسيق المصريين"، وله قواعده ونسبه المستقلة، ولا يجوز الخلط بينه وبين نظام القبول العام.

اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة
-
بعد ساعات من تثبيت المركزي للفائدة.. كم وصل سعر جرام الذهب عيار 21؟
-
العاصفة الدموية.. "تأثير تيندال" يكشف سر ظاهرة احمرار السماء
-
بعد رحلة ساعتين ونصف.. مُسن يختار مركزًا طبيًا بدمياط لإنهاء حياته
-
العثور على جثة شاب في ظروف غامضة داخل بدروم في الفيوم
-
من البيت بـ 800 جنيه.. خطوات وطرق استخراج بطاقة الرقم القومي إلكترونيًا 2026
-
"على باب القومسيون" تفاصيل جديدة في واقعة مُسن دمياط.. هل كان ضحية الروتين؟
-
"الحرامي ضيع حلمي".. مندوب شركة نون يروي قصته: خريج حقوق وكان نفسي أبقى محامي
-
خلافات سابقة وأحكام بالحبس.. الداخلية تكشف تفاصيل واقعة "فيديو فتيات حلوان"
أخبار ذات صلة
العاصفة الدموية.. "تأثير تيندال" يكشف سر ظاهرة احمرار السماء
03 أبريل 2026 07:42 م
بسبب الثورة الصناعية وعداء اقتصادي.. حكاية 133 عاماً من الصراع بين ليفربول ومانشستر سيتي
03 أبريل 2026 07:14 م
صراع تكسير العظام.. الريدز يتحدى كابوس الرحيل بسجل مرعب ضد سيتي
03 أبريل 2026 07:07 م
مسجد قايتباي بالفيوم.. سجل معماري حي يروي تاريخ المماليك ونقوشهم الخالدة
03 أبريل 2026 06:48 م
"ماسة بوسنية" صُقلت تحت نيران الحرب.. إدين دجيكو الذي دمر أحلام الطليان
03 أبريل 2026 04:19 م
"مات واقفًا".. لعنة ركلات الترجيح تطارد إيطاليا من باجيو 1994 إلى جاتوزو 2026
03 أبريل 2026 02:15 م
"أسد" محمد رمضان يهرب من موقعة العيد.. هل يخشى "كلاب" كريم وعز؟
02 أبريل 2026 02:43 م
وصلة "تلقيح" إخوانية بين "الصغير" و"عبد القوي"، من هرب بـ البلوك؟
02 أبريل 2026 01:44 م
أكثر الكلمات انتشاراً