الإثنين، 09 فبراير 2026

12:35 م

د / محمد الجازوى

زرع الباشا

 التجاهل فلسفة حياة، تُدار بها العلاقات بين الناس، وتُحسم بها الصراعات بين الدول، وتُبنى بها البيوت أو تُهدم، فليست كل الصراعات صاخبة، ولا كل أشكال الظلم تُعلن عن نفسها بوضوح. 

أحيانًا يمر القهر في صمت، ويُختصر الألم في كلمات لا تُفهم، أو شكاوى لا يُلتفت إليها لأنها لا تمسّ المصلحة . 

فى أحد العصور كان الملك يمنح أراضي شاسعة لكبار النبلاء مقابل الولاء والحماية، والمقصود بالنبلاء هنا هم الباشوات، ومع مرور الوقت، تحوّل الفلاح الذي كان يومًا مالكًا لأرضه إلى مجرد عامل يزرعها مقابل السكن والحماية، دون حرية حقيقية في التنقل أو الاختيار، وهكذا أصبح نفوذ الباشوات مطلقًا على الفلاحين، بينما تآكلت حقوقهم بصمت. 

وفي أحد الأيام، تحكي إحدى القصص الرمزية الكثير عن هذه الحالة، عندما خرج أحد الباشوات ليتفقد أراضيه، راكبًا حماره، وجواره الخولي يمسك له الشمسية ويمشي إلى جواره، رآهم أحد الفلاحين، فانفجر غاضبًا وبدأ يسبّ ويلعن، التفت الباشا إلى الخولي وقال: ماذا يقول هذا الفلاح ؟ أجابه الخولى: بيشتمك يا خواجة، قال الباشا متعجبا: يعنى إيه بيشتمك؟ رد الخولى: يعنى بيقولك فازر آند مازر  يا خواجة، سكت الباشا قليلا ثم قال  الشتيمة دى تبوظ الزرع؟ قال لا يا معالى الباشا ما تبوظش زرع، قال الباشا طيب يلا نكمل ونشوف باقى الأرض، ومضى تاركا الفلاح يسب كما يشاء.

النظرية الفلسفية هنا أن الذى لا يؤثر على الممتلكات لا يستحق الانتباه إليه، لكن الحقيقة أن تجاهل الألم لا يلغيه وأن الكلمات التى لا تبوظ الزرع اليوم قد تبوظ أشياء أخرى غدا، ولكن أقول إن تركيز الإنسان على ما يقوله الآخرون قد يكون أحد وأكبر أسباب الفشل فى المجتمع، وما يدور في العمل والصرعات بين الأفراد وما يدور بين الشركات الكبرى وما يدور بين الدول.

بعض الناس يتساءلون: لماذا تتصالح الدول بعد أن تصل صراعاتها إلى حدّ يجعلك تتخيل أنهم لن يعودوا أبدًا؟ والإجابة ببساطة أن الدول على عكس الأفراد لا تحكمها المشاعر، بل المصالح، فحين تنتهي الحرب، ويُستنزف الجميع، تدرك الأطراف أن استمرار الصراع لم يعد يبوّظ “زرع” العدو فقط، بل يحرق زرعهم هم أيضًا،. فالقيمة الحقيقية، سواء في حياة الأفراد أو في إدارة المؤسسات والدول، لا تكمن في القدرة على التحمّل أو التغاضي، بل في القدرة على الإصلاح قبل أن يتحول الخلل إلى أزمة. 

والانشغال الدائم بما يقوله الآخرون، دون إضافة وعي أو حل أو تصحيح للمسار، قد يكون أحد أكبر أسباب الفشل في المجتمع، من بيئة العمل، إلى الصراعات بين الأفراد، وصولًا إلى النزاعات بين الدول. 

والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين الزوج وزوجته إذا فسدت هذه العلاقة فهى تبوظ الزرع فعلا، لأن البيت هو الأرض الأولى وما يزرع فيه من احترام أو إهمال من وعي أو قسوة هو ما يحصد خارجة، فالبيوت السليمة تخرج أفرادا سالمين، والأفراد السالمون يبنون مجتمعا سليما، كل شيء كبير بيبدأ من علاقة صغيرة جوه البيت، أما إذا تحوّلت العلاقة إلى صبر أعمى واحتمال بلا وعي، فلن يكون الزرع صالحًا ولا مستمرًا، لأن التحمل وحده لا يبني، كما أن التجاهل لا يُصلح. 

بعض النظريات تُبنى على أن هناك أناسًا تحمل الرحمة داخلها قيمة أعلى من المصلحة، وهؤلاء غالبًا ما يخسرون الكثير في حياتهم، لا لضعفهم، بل لأن قلوبهم تسبق حساباتهم، وفي المقابل، يقف آخرون بقسوتهم يرددون مقولة: «اللي يصعب عليك يفقرك»، معتبرين أن التعاطف عبء، وأن الرحمة ضعف لا مكان له في معادلات النجاح، غير أن التجربة تُثبت أن الرحمة ليست نقيض الحكمة، كما أن القسوة ليست دائمًا طريق النجاة.

الحياة لا تُدار بالقلب وحده، ولا تُدار بالحسابات الباردة فقط، وإنما بالتوازن بين الإنسانية والمصلحة، بين أن تفهم الألم دون أن تسمح له أن يهدمك، وأن تحمي نفسك دون أن تفقد إنسانيتك. 

في النهاية، تقدم هذه القصة درسًا مزدوجًا: للأفراد، أن التركيز على آراء الآخرين وإهاناتهم قد يقود للفشل، و أن المصالح والعدل هما ما يضمن استدامة السلام والازدهار، النجاح الحقيقي لا يقوم على القمع أو التغاضي، بل على احترام الكرامة، وفهم قيمة المصالح، والتعامل بحكمة مع كل ما يحيط بنا. 

search