الأربعاء، 18 فبراير 2026

01:28 ص

السلام أمانة يا نصر

لا أخفيكم سرًا، لم ألتقِ يومًا بالزميل محمود نصر الذي رحل عن عالمنا اليوم بعد صراع قصير مع المرض اللعين، لكنني لم أتوقف عن البكاء منذ معرفتي بقصته وحكايته ورحلته التي تشبه تقريبًا رحلة كل الصحفيين.

رحيل “نصر” أعاد عليّ ذكريات رحيل الرفقاء: سيد موسى، وعلام عبد الغفار، وأسماء مصطفى، ومحمد البلالسي، وبهاء صابر… وغيرهم وغيرهم من الزملاء والأصدقاء الذين رحلوا فجأة.

لم أبكِ لوداع “نصر” فقط، بل بكيت على حالي، وعلى حال كل من رحلوا، وعلى حال من بقوا.
بكيت على حال مهنة قاسية، قاتلة، مجرمة في حق أبنائها.
ما أصعبها، ما أخطرها… مهنة يلخصها مثل شهير:
“لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل”.

لكن دعني أذكرك يا عزيزي الزميل أن مشهد وداع محمود نصر اليوم مشهد متكرر:
نفس السيناريو، نفس الوجوه، نفس الدموع… وكأننا لا نتعلم من الدرس شيئًا.
لم نتعلم أن حياتنا أهم من أي مخاطرة،
وأن صحتنا أهم من الأرقام،
وأن سلامتنا وأسرنا أهم من الجوائز والانفرادات.

منذ عام ودّعنا محمد البلالسي.
منذ ثلاث سنوات ودّعنا علام عبد الغفار.
منذ أربع سنوات ودّعنا أسماء مصطفى.
واليوم… نودّع محمود نصر.
بنفس الطريقة، بنفس الصدمة، بنفس النهاية.

نفس السباق:
سباق مع الزمن،
سباق مع الترافيك،
سباق مع الأرقام،
ثم اكتشاف متأخر للمرض،
ثم رحيل هادئ موجع.

هذه المهنة لا تعرف التوقف،
لا تعرف الراحة،
ولا تعترف بالفواصل… إلا الفواصل الإعلانية.

تجرك من نقطة البداية حتى النهاية في جرة واحدة،
دون أن تشعر متى بدأت الرحلة ولا متى انتهت.

ننجح كثيرًا… لكن نجاحات ليست لنا.
نفرح لأننا أنقذنا حياة إنسان في قصة مكتوبة،
أو أوقفنا قانونًا جائرًا في تحقيق استقصائي،
أو تصدّينا لمسؤول ظالم دمّر مستقبل عشرات.
ننجح، نعم… لكننا لا نعيش.

المؤلم يا نصر…
أن الناس لا يشعرون بكل هذا الألم ولا بكل هذه التضحيات،
بل هم أيضًا، دون أن يدروا، شركاء في قتلنا
باللوم الدائم،
وبالسباب الذي لا يتوقف،
وبمحاكمتنا على كل كلمة،
وبنسيان أننا بشر قبل أن نكون عناوين وصورًا وأسماء.

للأسف لم ألتقِ بمحمود نصر،
لكنني التقيت بعلام عبد الغفار حين جئت إلى القاهرة طالبًا عام 2007.
كان يكبرني بخمس سنوات، يمتلك محلًا في بين السرايات،
وأنا أعمل في مكتب ترجمة بجواره.
عشت معه نجاحاته وإخفاقاته وتحدياته…
هو الآخر لم يعرف الراحة حتى رحل وترك أولاده.

وعشت سنوات طويلة مع صديق الرحلة سيد موسى،
تشاركنا كل شيء: المال، الملابس، الطعام، الوظائف.
وعندما بدأت تبتسم لنا الدنيا… انتهت رحلته،
ورحل تاركًا جرحًا لن يشفى حتى نهاية الرحلة.

كل ما أخشاه وأفكر فيه دائمًا:
من عليه الدور ليستريح؟
في أي درجة مهنية؟ في أي وضع مالي؟
هل أطمئن على طفلتي؟

أخيرًا… يا نصر،
السلام أمانة إلى صديق عمري سيد موسى،
وأحكي له أنني على العهد، أكمل رحلتي ورحلته،
وأن اسمه سيظل حيًا ما دمت حيًا.

هذه المهنة يا نصر
ليست هادئة مثل صابر،
ولا جميلة مثل سيد،
ولا رقيقة مثل أسماء،
لكنها عظيمة وشامخة مثل بلاسي.
رحمهم الله جميعًا.

ورسالتي لكل القائمين على هذه المهنة والعاملين بها:
كونوا رفقاء ببعضكم قبل موعد الاستراحة.
لا شيء في الدنيا يستحق كل هذه الصراعات والمشاحنات.
في النهاية… كلنا سنستريح فجأة.
ويبقى فقط:
هل عشنا بسلام؟
أم استهلكتنا المهنة حتى آخر نفس؟

للعلم واحتراما للقراء.. هذا المقال مصحح لغويا فقط بالذكاء الاصطناعي

search