السبت، 21 فبراير 2026

06:00 م

أيقونة عروس الصعيد.. "مسجد الفولي" يمزج العلم بالعبادة والفن بالهندسة

مسجد الفولي بالمنيا

مسجد الفولي بالمنيا

في قلب عروس الصعيد وعلى ضفاف النيل مباشرة، يتربع مسجد الفولي بالمنيا كأحد أعرق المعالم الدينية والتاريخية في صعيد مصر، ليس مجرد مسجد، بل مزار روحي ومركز ثقافي نابض بالحياة لأنه يمثل الهوية الثقافية لمدينة المنيا التي ارتبطت به اسمًا ووجدانًا حتى عُرفت بـ"منيا الفولي".

تعود جذور هذه التحفة الروحية إلى القرن السابع عشر الميلادي، وتحديدًا إلى صاحب الضريح الشيخ علي بن محمد بن علي المصري اليمني، الشهير بـ“أحمد الفولي”، الذي وُلد في اليمن عام 990هـ -1582م، لكنه اختار صعيد مصر مستقرًا له.

لم يكن الفولي مجرد زاهد، بل كان عالمًا وفقيهًا شافعيًا لُقّب بـ"الأستاذ" لغزارة علمه، حيث عاش أكثر من 50 عامًا، نشر خلالها العلم والتصوف، وترك إرثًا روحيًا جعل من ضريحه قبلة للمريدين بعد وفاته عام 1067هـ.

لم يكن المسجد في بدايته سوى زاوية صغيرة، حتى جاء عام 1875م، حين أمر الخديوي إسماعيل ببناء هذا الصرح المهيب تقديرًا لمكانة الشيخ، صُمم المسجد على الطراز الأندلسي الفريد، الذي يظهر بوضوح في زخارفه ونقوشه، بارتفاع جدرانه إلى 12مترًا، ومئذنته الشاهقة إلى 38 مترًا، ليصبح معلمًا بصريًا وروحيًا بارزًا في المدينة.

يُعد المسجد مركزًا للاحتفالات الدينية الكبرى، ويقصده الآلاف سنويًا للتبرك وزيارة الضريح، كما تقام فيه حلقات الذكر والدروس الدينية، ما يجعله جزءًا حيًا من نسيج المجتمع المنياوي.

ولشدة ارتباط سكان المنيا بالمسجد، أُطلق على المدينة لقب "منيا الفولي"، تأكيدًا على عمق العلاقة بين المكان وسكانه، وعلى تأثير الشيخ الفولي في الهوية الثقافية والدينية للمنطقة.

رمضان في رحاب الفولي: “خلوة الخاشعين”

يتحول المسجد في المناسبات الدينية، لا سيما شهر رمضان، إلى خلية نحل لا تهدأ هكذا وصف الشيخ محمد أحمد عبدالعظيم، إمام المسجد، هذه الأجواء قائلًا: "مسجد الفولي خلال رمضان هو خلوة كبيرة؛ فالناس بين راكع وساجد ومعتكف على كتاب الله، نشهد هنا خشوعًا في صلاة القيام يلامس القلوب قبل الجوارح، وهي الروح الحقيقية التي يبحث عنها المصلون في هذا المكان المبارك".

ويضيف عبدالعظيم، أن سر التعلق بهذا المكان يكمن في "الصلة الروحية" بالشيخ الفولي، الذي ظل علمه وزهده حياً في ذاكرة الناس رغم مرور القرون.

أكثر من مجرد مسجد

على مر العصور، تحول المسجد من مكان للصلاة إلى مركز ثقافي واجتماعي، تقام فيه حلقات الذكر، والدروس الدينية، والاحتفالات الكبرى بالمولد النبوي ومناسبة الإسراء والمعراج، ولقد صار المسجد جزءاً من "النسيج الحي" للمجتمع المنياوي، حيث يقصده الآلاف سنويَا طلبَا للسكينة أو تبركَا بسيرة صاحبه.

يبقى مسجد سيدي الفولي شاهدًا على حقبة من الزمان امتزج فيها العلم بالعبادة، والفن بالهندسة، ليظل "حارس النيل" ومنارة الصعيد التي لا تنطفئ.

search