الإثنين، 23 فبراير 2026

10:21 م

رامز جلال بين الترفيه المبتذل والإبهار الفارغ

رامز جلال لم يعد مجرد مقدم برامج مقالب، بل صار علامة موسمية قائمة بذاتها، تفرض حضورها مع كل رمضان، مستندة إلى معادلة ثابتة لا تتغير: الصدمة أولًا، والضجيج ثانيًا، والجدل ثالثًا. 

هذا العام يطل عبر برنامج رامز ليفل الوحش، عنوان يحمل دلالة واضحة على التصعيد، وكأن التحدي لم يعد في ابتكار فكرة جديدة، بل في رفع مستوى “الوحشية” إلى أقصى حد ممكن. 

البرنامج، الذي يقدمه رامز جلال، يسير على الخط ذاته الذي اعتاده الجمهور منذ سنوات. استدراج ضيف إلى سياق يبدو طبيعيًا، إدخاله في تجربة مفاجئة تتصاعد تدريجيًا إلى ذروة من التوتر والخوف، ثم كشف المقلب في اللحظة الأخيرة. 

حتى هذه النقطة، قد يبدو الأمر تقليديًا لكنه مقبول في إطار الترفيه. غير أن الإشكالية تبدأ حين تتحول الصدمة إلى جوهر الفكرة، لا إلى عنصر ضمن عناصرها. في رامز ليفل الوحش لا توجد طبقات درامية متعددة، ولا بناء متدرج قائم على مفارقة ذكية. كل شيء يدور حول رفع منسوب التوتر. مؤثرات صوتية حادة، ديكورات ضخمة، عناصر رعب مبالغ فيها، تصعيد محسوب بدقة ليصل الضيف إلى أقصى درجات الانفعال. 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تضخيم المشهد البصري يعوض فقر التطور الفكري؟ أم أننا أمام إعادة إنتاج لفكرة واحدة بحجم أكبر وكلفة أعلى؟ الأخطر من ذلك أن البرنامج يضع المقدم في مركز المشهد على حساب الفكرة. 

رامز جلال لا يكتفي بإدارة المقلب، بل يفرض أسلوبًا هجوميًا في التعليق، يقوم على السخرية اللاذعة من الضيف قبل وقوعه في الفخ وبعده. هذا التمركز حول الذات يحوّل البرنامج إلى استعراض شخصي أكثر منه عملًا جماعيًا. الضيف يصبح أداة، ورد فعله يصبح مادة خام، بينما يحتفظ المقدم بدور المخرج والمعلّق والبطل في آن واحد. 

الاعتماد المفرط على رد الفعل العفوي يكشف أيضًا هشاشة في البنية الدرامية. نجاح الحلقة يتوقف بشكل شبه كامل على مدى انفعال الضيف. إذا كان رد فعله قويًا، بدت الحلقة مثيرة. وإذا جاء متماسكًا أو محدود التعبير، فقدت الحلقة نصف قيمتها. هذا الارتهان لعنصر غير مضمون يعكس غياب رؤية أكثر عمقًا تستطيع أن تصنع التشويق حتى في حال غياب الانفعال الصاخب. البرنامج يراهن على أن الجمهور يبحث عن الإثارة اللحظية. وربما هذا صحيح جزئيًا. 

لكن الترفيه ليس بالضرورة مرادفًا للرعب الخفيف أو الإحراج العلني. الكوميديا الحقيقية تُبنى على المفارقة الذكية، وعلى خلق موقف غير متوقع دون الحاجة إلى دفع الشخص إلى حافة الخوف. أما حين يصبح الخوف هو المادة الأساسية، فإن العمل يفقد توازنه الأخلاقي والفني معًا. 

كما أن تكرار الصيغة نفسها عامًا بعد عام يضع البرنامج في مأزق واضح. تغيير الاسم لا يعني تغيير الفكرة. تصعيد المؤثرات لا يعني تطوير البناء. ومع كل موسم جديد، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى يمكن الاستمرار في المعادلة ذاتها دون أن تفقد بريقها؟ الإبداع الحقيقي يقوم على التجديد، لا على رفع الجرعة كل مرة لتعويض غياب الفكرة. ثمة أيضًا مشكلة واضحة في ما بعد الذروة. لحظة كشف المقلب تأتي سريعة ومباشرة، ثم تنتهي الحلقة تقريبًا عند هذا الحد. 

لا توجد محاولة حقيقية لتحويل التجربة إلى مساحة إنسانية أعمق، ولا حوار يكشف جانبًا مختلفًا من شخصية الضيف. كأن الهدف هو الوصول إلى الصرخة فقط، لا إلى ما بعدها. 

هذا الفقر في البناء الختامي يؤكد أن البرنامج لا يملك ما يقوله بعد انتهاء الصدمة. الدفاع المعتاد عن البرنامج يستند إلى نسب المشاهدة المرتفعة والانتشار الواسع. لكن الأرقام لا تكفي وحدها لتبرير كل شيء. 

الانتشار قد يكون نتيجة الجدل بقدر ما هو نتيجة الإعجاب. والضجيج لا يعني بالضرورة قيمة فنية مستدامة. هناك فارق بين عمل يثير الانتباه لحظة، وعمل يرسخ مكانته عبر التطور والابتكار. 

رامز جلال يمتلك بلا شك حضورًا قويًا، ويعرف كيف يصنع حالة من الترقب حول برامجه. لكنه يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: هل يستمر في معادلة الصدمة بوصفها الطريق الأسهل للانتشار، أم يعيد النظر في فلسفة برنامجه؟ 

رفع “الليفل” لا يعني فقط زيادة مستوى الخوف، بل قد يعني أيضًا رفع مستوى الفكرة، وتطوير البناء، وإعادة تعريف مفهوم المقلب ذاته. في النهاية، رامز ليفل الوحش يبدو استمرارًا لنهج يقوم على تصعيد بلا مراجعة حقيقية. صدمة أكبر، ضجيج أعلى، عنوان أكثر حدة. لكن خلف هذا كله، يظل السؤال قائمًا: أين التطور؟ وأين الفكرة الجديدة التي تثبت أن الترفيه يمكن أن يكون ذكيًا دون أن يكون قاسيًا؟ ما لم تُطرح هذه الأسئلة بجدية، سيظل البرنامج يدور في الحلقة نفسها، مستندًا إلى بريق موسمي قد يلمع بقوة، لكنه لا يضمن بالضرورة احترامًا طويل الأمد.

search