الثلاثاء، 24 فبراير 2026

12:43 م

أمريكا تسيء فهم إيران.. لماذا قد لا تبقى أي حرب قادمة محدودة؟

الجيشان الأمريكي والإيراني (صورة موّلدة بالذكاء الاصطناعي)

الجيشان الأمريكي والإيراني (صورة موّلدة بالذكاء الاصطناعي)

بينما تتحرك الدبلوماسية بحذر، تتقدم الاستعدادات العسكرية بخطى ثابتة، هذا التوازي بين الحوار والردع يعكس طبيعة المرحلة الراهنة في العلاقة بين واشنطن وطهران، ولم يعد السؤال مقتصرًا على احتمالية المواجهة، بل على شكلها ومسارها إن وقعت.

الظهور التدريجي

عندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، لم تكن الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز شاهد 136 معروفة على نطاق واسع خارج الدوائر العسكرية، لكن مقاطع الفيديو التي وثّقت تحليقها فوق المدن الأوكرانية سرعان ما جعلت اسمها مألوفًا عالميًا، وفقًا لصحيفة “فورين بوليسي”.

لم تكن هذه المسيّرات تتميز بدقة فائقة أو تكنولوجيا متقدمة، غير أن فعاليتها تمثلت في قدرتها على الاستنزاف التدريجي لأنظمة الدفاع الجوي، حتى وصفها مسؤولون أوكرانيون بأنها "إزعاج طائر" يرهق الدفاعات بدلًا من حسم المعركة بضربة واحدة.

طائرات شاهد 136

بالنسبة للعواصم الغربية، خاصة واشنطن، شكّل قرار إيران تزويد موسكو بآلاف المسيّرات تحولًا استراتيجيًا خلال مفاوضات الملف النووي في فيينا عام 2022، حيث أقرّ دبلوماسيون غربيون أن طهران تجاوزت خطًا غير معلن، بإظهار استعدادها للتأثير في نزاعات بعيدة جغرافيًا عنها، أما من منظور إيراني، فقد مثّلت الحرب ساحة اختبار عملية، أسهمت فيها الخبرة القتالية الروسية في تطوير أداء هذه المسيّرات، ما عزز مداها وتأثيرها.

الرسالة التي أرادت طهران إيصالها بدت واضحة: الحرب لم تعد مسألة سيطرة سريعة، بل صراع صبر وقدرة على التحمل.

منظومة دفاع تدريجية

وتجلّت هذه المقاربة خلال جولات المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل في السنوات الأخيرة، فقد اعتمدت طهران على استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ أقل كفاءة، لاختبار طبقات الدفاع الإسرائيلية واستنزافها، تمهيدًا لإيصال صواريخ أثقل وأكثر تأثيرًا إلى أهدافها، إنها معادلة تقوم على إنهاك المنظومة الدفاعية تدريجيًا بدلًا من اختراقها دفعة واحدة.

مفاوضات مشروطة وتصعيد مواز

مع عودة التوتر إلى الواجهة، يتزامن تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري حول إيران مع مساع دبلوماسية، إذ يستحضر المشهد الأسابيع التي سبقت يونيو 2025، حين اندلعت مواجهة عسكرية بين إسرائيل وإيران، بينما كانت واشنطن وطهران تستعدان لجولة محادثات جديدة.

في تلك المرحلة، تمسكت إيران بمبدأ واضح وهو القبول بعدم امتلاك سلاح نووي، مقابل رفض التخلي عن تخصيب اليورانيوم.

وفي المقابل، اعتبرت الولايات المتحدة أن وقف التخصيب شرط أساسي لأي اتفاق، إذ لم يكن الخلاف تقنيًا فحسب، بل تعبيرًا عن تعريفين مختلفين للاستقرار.

حتى اليوم، تستمر طهران في التفاوض تحت ضغط عسكري متزايد، بينما يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراته من ضيق الوقت قبل اللجوء إلى الخيار العسكري.

حسابات الضربة المحدودة وحدود السيطرة

يتنامى في واشنطن نقاش حول إمكانية تنفيذ ضربة محدودة تُرغم طهران على تقديم تنازلات دون إشعال حرب شاملة، غير أن هذا التصور يفترض إمكانية التحكم بمسار التصعيد، بينما تُظهر التجارب أن الحروب لا تبقى محدودة إلا إذا أراد الطرفان ذلك، ومع تراجع المصالح المشتركة، تتضاءل فرص الاحتواء.

في هذا السياق، تخلى المرشد الإيراني علي خامنئي عن خطاب "ضبط النفس التكتيكي"، مستحضرًا مفهوم "المواجهة من منظور كربلاء"، في إشارة إلى واقعة معركة كربلاء المرتبطة بالإمام الحسين بن علي. 

في الوعي الإيراني، تمثل كربلاء رمزًا للمقاومة في وجه التهديد الوجودي، لا مجرد حدث تاريخي، وتعبّر مقولة "الموت واقفًا لا العيش راكعًا" عن منطق يتعارض مع فلسفة الرد المناسب التي تعتمدها الولايات المتحدة.

بالنسبة لطهران، قد لا تُفهم الضربة المحدودة كإشارة ردع، بل كاعتداء يستوجب ردًا يحفظ الشرعية الأخلاقية للنظام، خاصة إذا ترافقت مع مفاوضات تُعد غير متكافئة.

اختلاف لغات الاستراتيجية

تنظر واشنطن إلى الضغط العسكري كأداة لدعم التفاوض، بينما تتعامل طهران مع التصعيد باعتباره تحديًا لبقائها الأيديولوجي، هذا التباين في فهم طبيعة الصراع يعقّد فرص إدارة التصعيد.

واستندت الاستراتيجية الأمريكية مؤخرًا إلى توجيه ضربات محسوبة لاستعادة الردع دون توسع النزاع، مستفيدة من تجارب سابقة في ساحات متعددة.

غير أن إيران تمثل بيئة مختلفة، فالمفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز وصف الحرب بأنها مجال للاحتكاك والغموض، حيث تتحول الخطط البسيطة إلى مسارات معقدة بفعل التراكم التدريجي للأحداث، وعندما يُنظر إلى الصراع كتهديد وجودي، تصبح حدود التصعيد أكثر مرونة.

ترسانة الانتشار الأفقي

إيران دولة ذات مساحة واسعة وقدرات ممتدة، وليست فاعلًا غير حكومي يمكن احتواؤه بضربة واحدة، ترتكز عقيدتها الردعية على الانتشار والتعدد، مسيّرات "شاهد"، صواريخ باليستية وكروز، قدرات سيبرانية، أوراق ضغط بحرية في الخليج، وشبكات حلفاء إقليميين، هذه المنظومة تشجع ما يُعرف بالتصعيد الأفقي، حيث يتوسع النزاع عبر جبهات متعددة بدلًا من تعميقه في محور واحد.

الحلفاء الإقليميون

وتعرض حزب الله لضربات قاسية خلال حربه مع إسرائيل عام 2024، بينما تواجه فصائل عراقية مثل كتائب حزب الله ضغوطًا داخلية متزايدة، أما حركة أنصار الله فقد أظهرت خلال حرب غزة استعدادًا لتوسيع نطاق الاشتباك عبر هجمات بحرية.

وقد يبدو هذا الضعف النسبي مقلصًا لمخاطر التصعيد من منظور واشنطن، إلا أن تآكل أنظمة الردع قد يدفع هذه الأطراف إلى التخلي عن ضبط النفس إذا شعرت بتهديد وجودي، خصوصًا إذا طُرح سيناريو تغيير النظام في طهران.

معادلة الخلافة ومخاطر الحسابات الخاطئة

ويربط بعض المراقبين تشدد إيران بشخص المرشد والحرس الثوري، لكن بنية النظام أوسع من ذلك، فمجلس خبراء القيادة، المخول دستوريًا اختيار المرشد الأعلى، يعمل منذ سنوات على ترتيبات الخلافة، وإذا افترضت واشنطن أن الضغط العسكري سيُضعف القيادة، فقد تتجاهل أن سيناريوهات ما بعد الصراع جرى إعدادها مسبقًا، وتسارعت وتيرتها بعد أحداث يونيو 2025.

قد يؤدي السعي لإضعاف المتشددين إلى نتيجة معاكسة، بتوحيد الصف الداخلي حول خطاب الحرب، وظهور قيادة أكثر صلابة وأقل قابلية للتسوية.

بساطة الخرائط وتعقيد الواقع

العبارة الشهيرة لكلاوزفيتز "كل شيء بسيط في الحرب، لكن أبسط الأشياء صعب"، تختصر الفجوة بين التخطيط النظري والواقع العملي، فما يبدو ضربة محسوبة على خريطة استراتيجية قد يتحول، في بيئة سياسية وأيديولوجية معقدة، إلى مسار تصعيد يصعب احتواؤه، والتاريخ يُظهر أن الحروب التي تبدأ تحت عنوان "محدودة" نادرًا ما تبقى كذلك طويلًا.

اقرأ أيضًا:

في ظل الحرب المحتملة بين أمريكا وإيران.. أيهما أقوى عسكريًا؟

search