الخميس، 26 فبراير 2026

06:40 م

أسماء عبدالعظيم

أسماء عبدالعظيم تكتب: بين الخطاب والواقع أين يقف المواطن؟

المواطن ليس رقمًا في كشف الحساب ولا بندًا في موازنة ولا نسبةً في تقرير سنوي المواطن حكاية بيت كامل يستيقظ مع الفجر ويحسبها بالورقة والقلم كيف يمضي يومه دون أن ينكسر أمام فاتورة جديدة أو إجراء معقد أو باب مغلق المواطن هو هذا الأب الذي يخرج قبل شروق الشمس باحثًا عن رزق حلال وهو هذه الأم التي تشد الحزام بصمت حتى لا يشعر صغارها بثقل الأيام وهو الشاب الذي يحمل شهادة في يده وحلمًا في قلبه ويصطدم كل يوم بجدار اسمه الفرصة المؤجلة

المشكلة ليست فقط في ضيق العيش ولا في موجات الغلاء ولا في ضغوط الإصلاح فكل الأوطان تمر بمنعطفات صعبة لكن الخطر الحقيقي حين يشعر المواطن أنه يقف وحده في المواجهة حين يظن أن صوته لا يصل وأن شكواه لا تُسمع وأن تعبه لا يُرى حين تتحول المصلحة الحكومية إلى اختبار أعصاب ويتحول الحق إلى رحلة طويلة بين المكاتب والأختام ويتحول القانون من ميزان عدل إلى نص جامد لا يعرف ظروف الناس

السياسة ليست خطبة قوية ولا بيانًا مطولًا السياسة إحساس يومي بالعدل السياسة أن يدخل المواطن أي مؤسسة وهو مرفوع الرأس لأنه صاحب حق لا صاحب رجاء السياسة أن يشعر أن الدولة تراه وتفهمه وتراعي قدرته وتقدّر صبره السياسة أن تكون الكرامة هي القاعدة لا الاستثناء وأن تكون الخدمة حقًا لا منّة

حين تتسع الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش يتسلل الإحباط بهدوء إلى القلوب وحين يتراكم الإحباط يفقد الناس حماسهم وحين يفقد المجتمع حماسه يفقد جزءًا من طاقته على البناء والتنمية المواطن لا يريد المستحيل ولا يطلب رفاهية زائدة هو يريد طريقًا ممهدًا يسير عليه دون أن يتعثر كل يوم يريد قرارًا واضحًا يفهمه قبل أن يلتزم به يريد عدالة سريعة لا تستهلك عمره في الانتظار يريد مسؤولًا يخرج إليه لا ليُلتقط معه صورة بل ليحمل عنه عبئًا حقيقيًا

الأزمات تُدار بالخطط لكن الثقة تُبنى بالعدل حين يرى المواطن أن المقصر يُحاسب وأن المجتهد يُكافأ وأن الشفافية ليست شعارًا بل ممارسة يومية حينها فقط يشعر أن الدولة تقف معه لا فوقه وأن القانون يحميه لا يرهقه وأن الإصلاح يشاركه لا يفاجئه

المواطن هو الدولة هو الجندي الذي يحرس الحدود وهو العامل الذي يدير الماكينة وهو المعلم الذي يصنع العقول وهو الموظف الذي ينهي معاملات الناس وهو الأم التي تربي جيلًا جديدًا على الأمل إذا شعر هذا المواطن أن كرامته مصونة سيعطي بلا حدود وسيصبر بلا شكوى وسيبني بلا تردد أما إذا شعر أن صوته يضيع في الهواء وأن تعبه لا يُقدَّر فسوف ينسحب إلى دائرة الصمت والصمت حين يطول يصبح أخطر من أي احتجاج

إعادة بناء الثقة ليست رفاهية سياسية بل ضرورة وجودية تبدأ بالاعتراف الصادق بالمشكلات وتمتد إلى إصلاح إداري حقيقي يربط المسؤولية بالمحاسبة وتستمر عبر تبسيط الإجراءات واحترام الوقت وتقدير الإنسان وتنتهي عند شعور بسيط لكنه عظيم أن المواطن في وطنه ليس غريبًا ولا مهمشًا بل شريكًا أصيلًا في القرار والمصير

حين نضع المواطن في قلب السياسات لا على هامشها وحين نقيس نجاحنا بمدى تحسن حياته لا بعدد البيانات الصادرة وحين نؤمن أن الكرسي تكليف ثقيل لا امتياز عابر سنكتشف أن الطريق إلى الاستقرار أقصر مما نظن وأن قوة الدولة لا تُقاس بصرامة خطابها بل بعمق عدلها

المواطن ليس رقمًا في كشف الحساب بل أصل الحكاية كلها فإذا صلح حاله صلح الوطن وإذا شعر بالعدل اطمأن المستقبل وإذا أحس أن كرامته محفوظة أحب بلده أكثر ودافع عنها أكثر وصبر من أجلها أكثر فالوطن الذي يحضن مواطنيه بعدل ورحمة لا يخشى تقلبات الأيام لأن سنده الحقيقي ليس الحجر ولا الورق بل الإنسان

search