الأربعاء، 04 مارس 2026

05:04 ص

التحالف الأمريكي _ الإسرائيلي.. شراكة استراتيجية أم مفصل قوة في هندسة العالم؟

حين نتأمل علاقة الولايات المتحدة بـإسرائيل، لا ينبغي أن نقرأها بوصفها مجرد تحالف سياسي عابر، أو تنسيق مصالح مرحلي، بل باعتبارها ظاهرة جيوسياسية مكتملة الأركان، تشكلت في رحم الجغرافيا السياسية للقرن العشرين، وترسخت في بنية النظام الدولي ذاته. 

إنها علاقة تتجاوز حدود الإدارات والرؤساء، وتستند إلى عمق استراتيجي مركب: أيديولوجي، وأمني، وتكنولوجي، واقتصادي، بل وقيمي في المخيال الغربي. لقد كان قيام إسرائيل عام 1948 لحظة مفصلية في هندسة المجال الشرق أوسطي، لا باعتبارها مجرد دولة جديدة، بل باعتبارها قاعدة متقدمة للنظام الغربي في قلب إقليم يتوسط العالم القديم، ويتحكم في عقد المواصلات بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ومنذ ذلك الحين، لم تكن واشنطن ترى في إسرائيل حليفًا فقط، بل نقطة ارتكاز، أو إن شئنا الدقة: “مفصل قوة” يضمن لها الحضور الدائم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطرابًا. ومع ذلك، فإن التحالف – مهما بلغ رسوخه – لا يلغي إمكانية التباين في الرؤى أو اختلاف الإيقاع. 

في أواخر عهد إدارة جو بايدن، ظهرت مؤشرات توتر على خلفية الحرب في غزة، وكأن واشنطن بدأت تشعر بأن الكلفة السياسية والأخلاقية لبعض السياسات الإسرائيلية تتجاوز العائد الاستراتيجي المباشر. بل إن إدارة دونالد ترامب، رغم انحيازها الواضح لإسرائيل، أبدت في لحظات معينة استعدادًا لاستخدام أدوات ضغط حين تعارضت بعض الحسابات التكتيكية. 

غير أن هذه التباينات، عند الاختبار الحقيقي، لم تمس جوهر العلاقة. فعندما انتقلت المنطقة إلى طور أكثر خطورة، وعادت الحرب لتفرض أجندتها، بدا أن القرار الأمريكي لا يُصاغ خارج التنسيق الكامل مع إسرائيل، بل في إطار شراكة عضوية تكاد تمحو الحدود بين الفاعلين. وهنا تتبدد أوهام الاستقلالية؛ إذ يتكشف أن ما يُقرأ أحيانًا بوصفه خلافًا، ليس سوى اختلاف في ترتيب الأولويات داخل الاستراتيجية الكبرى، لا خروجًا عليها. غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود التحالف الثنائي. 

فإعادة تشكيل الموقف من إيران لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع الأوسع على قمة النظام الدولي، خاصة بين الولايات المتحدة والصين. فإيران، بحكم موقعها الجغرافي عند مفترق طرق الطاقة والتجارة، ليست مجرد دولة إقليمية ذات طموح سياسي، بل عقدة جيواستراتيجية تصل الخليج بآسيا الوسطى، وتمتد ظلالها حتى المحيط الهندي. 

لقد أدركت بكين مبكرًا أن الطريق إلى العالمية يمر عبر تأمين موارد الطاقة وبناء شبكات نفوذ في الأطراف الرخوة للنظام الغربي. ومن هنا جاءت شراكاتها الممتدة مع طهران، واتفاقياتها بعيدة المدى في مجالات النفط والبنية التحتية. 

وبالتالي، فإن أي محاولة أمريكية لإعادة هندسة النظام الإيراني – سواء عبر الضغط أو الحرب أو التغيير البنيوي – لا تستهدف فقط تقليص نفوذ إقليمي، بل تسعى إلى قطع أحد الشرايين الحيوية التي تغذي التمدد الصيني. 

إن الصراع هنا يتجاوز العناوين التقليدية: “ملف نووي” أو “أمن إقليمي”. إنه صراع على هندسة المجال العالمي ذاته. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة المهيمنة تاريخيًا، لا تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره هامشًا، بل باعتباره قلبًا وظيفيًا في منظومتها الاستراتيجية. وأي اختلال في هذا القلب قد يرتد على الجسد كله. 

ومع ذلك، فإن افتراض إخراج إيران من معادلة التوازن الإقليمي يظل افتراضًا نظريًا أكثر منه واقعيًا. فالجغرافيا لا تُمحى بقرار سياسي، والتاريخ لا يُعاد كتابته بعملية عسكرية. حتى لو تبدلت النظم، تبقى الحقائق البنيوية: الموقع، السكان، شبكة المصالح، والامتدادات المذهبية والسياسية. 

إن إيران، بحكم كتلتها البشرية ومساحتها وموقعها بين الخليج وبحر قزوين، تمثل حقيقة جيوسياسية يصعب تجاوزها. ثم إن الإقليم ذاته لم يعد كما كان قبل عقد أو عقدين. فقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في طبيعة العلاقات بين القوى الرئيسية. ثمة انفتاح نسبي، وتفاهمات موضعية، ومسارات تهدئة أعادت تعريف مفهوم الصراع. 

لم تعد المنطقة محكومة بمنطق المحاور الصلبة فقط، بل باتت تميل إلى براغماتية مرنة، توازن بين التنافس والتعاون. وهذا التحول يعكس نضجًا إقليميًا نسبيًا، فرضته ضرورات الاقتصاد وضغوط التنمية، كما فرضته تحولات النظام الدولي. 

فالدول لم تعد قادرة على تحمل كلفة الاستقطاب الدائم، ولا على الارتهان الكامل لقوة خارجية واحدة. من هنا، فإن أي مشروع لإعادة هندسة الإقليم من الخارج سيصطدم بواقع أكثر تعقيدًا مما كان عليه في السابق. 

خلاصة المشهد أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي يظل ركيزة ثابتة في معادلة الشرق الأوسط، لكنه يعمل الآن في سياق عالمي يتسم بتآكل الأحادية وصعود قوى جديدة. وإيران ليست مجرد ملف أمني، بل نقطة تقاطع بين صراع إقليمي وصراع كوني. 

أما المنطقة، فقد دخلت طورًا انتقاليًا، تحاول فيه إعادة تعريف ذاتها بين إرث الصراعات وضغوط التحول. في هذا الإطار، لا تبدو الحرب غاية في ذاتها، بل أداة في معركة أوسع على إعادة توزيع النفوذ في العالم. وما يجري اليوم ليس فصلًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة ممتدة من إعادة رسم الخرائط – خرائط القوة قبل خرائط الجغرافيا.

search