الجمعة، 13 مارس 2026

01:21 ص

الضمير الغائب

الضمير الغائب

نسمع كثيرًا هذه الأيام جملة تتكرر على ألسنة الناس: “مافيش ضمير”، تُقال عندما نرى إهمالًا في العمل، أو غشًا في البيع، أو تقصيرًا في المسؤولية، أو قسوة في التعامل. وكأن الضمير أصبح شيئًا نادرًا نفتقده في حياتنا اليومية.

والغريب أن كلمة "الضمير" التي نستعملها لوصف الأخلاق والسلوك، هي نفسها كلمة نعرفها في اللغة العربية كجزء من قواعد النحو، حيث ينقسم الضمير إلى متكلم ومخاطب وغائب. لكن إذا كان الضمير في اللغة واضحًا ومحددًا، فإن الضمير في حياتنا أصبح أحيانًا غائبًا أو ضعيفًا. ومن هنا نطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مهم: هل أصبح الضمير الغائب في النحو هو نفسه الضمير الغائب في حياتنا؟ وهل أصبح الإنسان يتحدث عن الآخر بضمير الغائب حتى وهو حاضر؟

في اللغة، الغائب محدد الموقع، معلوم المرجع، لا يختلط بغيره. أما في المجتمع، فقد اتسع الغياب حتى صار ظاهرة. نتحدث عن الناس أكثر مما نتحدث معهم. ويغيب الضمير بمعناه الأخلاقي قبل أن يغيب الشخص نفسه. نصدر الأحكام دون أن نستمع، ونقرر في غياب أصحاب الشأن، بل أحيانًا نحضر بأجسادنا وتغيب عقولنا وقلوبنا.

اللغة لم تظلم الغائب؛ أعطته علامة واضحة تدل عليه، لكن المجتمع قد يظلم الإنسان حين يحوّله إلى ضمير غائب دائم لا يُستشار ولا يُسمع. الأخطر من ذلك أن كلمة "الضمير" في العربية تحمل معنى آخر أعمق إنها ليست فقط أداة لغوية، بل هي أيضًا ذلك الصوت الداخلي الذي يوقظ الإنسان حين يخطئ. فإذا غاب هذا الضمير الأخلاقي، لم يعد الغياب نحويًا، بل أصبح خللًا في القيم.

سيبويه نظّم لنا الجملة، لكننا اليوم في حاجة إلى أن ننظم ضمائرنا، فاللغة تُعلِّمنا أن لكل ضمير موضعًا، أما الحياة فتُعلِّمنا أن لكل إنسان حقًّا في الحضور. وحين يصبح المجتمع كله يتحدث بضمير الغائب، فالمشكلة ليست في النحو بل في الضمير نفسه. أصبح العامل يؤدي عمله بلا إتقان، لا لأنه لا يعرف، بل لأنه لا يستحضر ضميره. وأصبح بعض الأطباء يمارسون المهنة كصفقة، لا كرسالة.

وفي التعليم، تراجع الدور التربوي أمام منطق الدروس والدرجات. وفي البيع والشراء، غلبت المكاسب على الأمانة. وفي المعاملات بين الناس، ضعف الصدق، وقلت الرحمة. حتى في العلاقات الأسرية.. بين الإخوة، وبين الزوجين، لم يعد الضمير حاضرًا كما ينبغي.

المشكلة ليست في القوانين، فالقوانين موجودة.. وليست في الشهادات، فالشهادات كثيرة. لكن الضمير ذلك الرقيب الداخلي هو الذي يضعف، الطبيب قد يحمل شهادة، والمعلم قد يحمل مؤهلًا، والتاجر قد يحمل سجلًا تجاريًا، لكن الضمير لا يُمنح بورقة ولا يُشترى بمال.

حين يغيب الضمير يتحول الطب إلى تجارة، ويتحول التعليم إلى سباق أرقام، ويتحول العمل إلى أداء شكلي وتتحول العلاقات إلى مصالح مؤقتة. الضمير ليس رفاهية أخلاقية، بل هو أساس الاستقرار هو الذي يجعل الإنسان يتقن عمله ولو لم يره أحد، ويعدل في حكمه ولو لم يُحاسَب، ويحسن معاملته ولو لم يُكافَأ.

المجتمعات لا تنهار فجأة، بل يبدأ التآكل من الداخل من لحظة يسأل فيها الإنسان “من يراني؟”، بينما السؤال الحقيقي هو: “هل أرى نفسي؟”.. ربما لا نستطيع إصلاح كل شيء دفعة واحدة، لكن يمكن لكل واحد منا أن يعيد الضمير إلى وقعه الطبيعي، وفي النهاية لا يحتاج المجتمع إلى مزيد من الكلام عن الأخلاق بقدر ما يحتاج إلى ضميرٍ حيٍّ في نفوس الناس، فالقانون قد يراقب السلوك لكن الضمير وحده هو الذي يراقب الإنسان من الداخل.

وإذا كان الإنسان يستطيع أن يخدع الناس أحيانًا، فإنه لا يستطيع أن يخدع ضميره طويلًا، فإصلاح المجتمع لا يبدأ بقرارات كبيرة، بل يبدأ من إنسانٍ يقرر أن يعمل بإخلاص، وأن يقول الصدق، وأن يراعي حق غيره، حتى لو لم يره أحد، فالمجتمع القوي ليس هو الذي تكثر فيه القوانين، بل الذي يحضر فيه الضمير. وحين يعود الضمير إلى مكانه الطبيعي في القلوب، لن يبقى "الضمير الغائب" مجرد مصطلح في كتب النحو، بل سيصبح الضمير حاضرًا في العمل، حاضرًا في المعاملة، حاضرًا في البيت والشارع وكل مكان. فالضمير إذا حضر استقام كل شيء… وإذا غاب، اختل كل شيء.

search