الجمعة، 13 مارس 2026

01:21 ص

أطفال رهائن الطلاق

لم يعد الطلاق في كثير من الحالات نهاية علاقة زوجية فاشلة، بل تحول عند البعض إلى ساحة انتقام مفتوحة، يكون الضحية الأولى فيها هم الأبناء. أخطر ما في هذه المعركة أن الطفل يُسحب من إنسانيته ليصبح ورقة ضغط، وسلاحاً نفسياً، وأداة لتصفية الحسابات بين أب وأم انتهت بينهما المودة.

من منظور فلسفي، الأبوة ليست امتيازاً تمنحه الأم، ولا علاقة يمكن حذفها بقرار غضب. الأبوة جزء من هوية الطفل، مثل اسمه وتاريخه ودمه. حين يُمنع الطفل من رؤية أبيه، لا يُحرم الرجل من ابنه فقط، بل يُحرم الطفل من نصف معناه الإنساني. فالإنسان لا يُولد من أم فقط، بل من معادلة وجودية اسمها الأب والأم معاً.

لكن المفارقة المؤلمة أن بعض حالات الطلاق في عصرنا حولت الأمومة من رسالة رحمة إلى سلطة احتكار. سلطة ترى أن الخلاف مع الأب يبرر إقصاءه من حياة أبنائه، وكأن الطلاق يلغي الأبوة، أو يمنح أحد الطرفين حق مصادرة الآخر من ذاكرة الطفل.

أما قانونياً، فحق الرؤية ليس ترفاً ولا منحة اجتماعية، بل حق ثابت أقرته القوانين لحماية مصلحة الطفل قبل الأب. ومع ذلك، فإن الواقع يكشف عن أزمة أخطر من النصوص، وهي التحايل عليها. تتحول الرؤية إلى ساعات محدودة في أماكن باردة بلا خصوصية، أو تُفرغ من مضمونها بالتعنت والتأجيل والتغيب المتكرر. وهكذا يصبح الحكم القضائي موجوداً على الورق، بينما يظل الطفل في الواقع أسيراً لقرار فردي.
السؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح:
من أعطى أي إنسان الحق في أن يقطع العلاقة بين طفل وأبيه؟
إن منع الأب من رؤية أبنائه ليس انتصاراً للأم، بل هزيمة أخلاقية للمجتمع كله. لأن الطفل الذي يُربى بعيداً عن أحد والديه، غالباً ما يكبر وفي داخله فراغ وأسئلة وندوب لا تعالجها السنوات.
الطلاق قد ينهي علاقة بين رجل وامرأة، لكنه لا يمنح أحداً حق إلغاء الأبوة.
فالطفل ليس ملكية خاصة، ولا غنيمة حرب بعد الانفصال، بل إنسان له حق أصيل في أن يعرف أباه، وأن يكبر وهو يشعر أن له عائلة كاملة… لا نصف عائلة.

search