حين يفقد المواطن ثقته… تصبح الأرقام بلا معنى
ليست المشكلة الحقيقية في زيادة أسعار البنزين والسولار، فالمواطن المصري أصبح يدرك جيدًا أن الاقتصاد العالمي يمر بأزمات متلاحقة، وأن الحروب والتوترات الدولية تؤثر على أسعار الطاقة في كل مكان.
لكن الأزمة الأعمق اليوم ليست في السعر نفسه، بل في الثقة التي تآكلت بين المواطن والقرارات الاقتصادية التي تصدر عن الحكومة.
قبل ثلاثة أشهر فقط خرج رئيس الوزراء بتعهد واضح أمام المصريين بأن أسعار الطاقة لن تشهد زيادة قبل أكتوبر 2026.
كان هذا التصريح بمثابة رسالة طمأنة لملايين المواطنين الذين تحملوا خلال السنوات الماضية موجات متتالية من الإصلاحات الاقتصادية وارتفاعات متكررة في الأسعار. كان الناس يعتقدون أن هناك على الأقل مساحة من الاستقرار يمكنهم أن يرتبوا حياتهم على أساسها.
لكن ما حدث بعد ذلك أعاد فتح جرح قديم لدى الشارع المصري. فبعد أيام قليلة من اندلاع الحرب في المنطقة فوجئ المواطن بقرار رفع أسعار البنزين والسولار، وكأن الظروف الاقتصادية للمواطن لا تحتمل الانتظار، وكأن المواطن المصري هو الطرف الوحيد الذي يُطلب منه دائمًا أن يتحمل فاتورة كل أزمة دولية أو إقليمية.
هنا لم يعد السؤال متعلقًا بسعر لتر البنزين فقط، بل أصبح سؤالاً أعمق بكثير: ماذا عن التعهدات التي تُعلن أمام الناس؟ وما قيمة التصريحات الرسمية إذا كان يمكن تغييرها بهذه السرعة؟ وأين التخطيط الاقتصادي الذي يفترض أن يضع سيناريوهات للأزمات قبل وقوعها لا بعد حدوثها؟
المفارقة التي يتحدث عنها المواطنون اليوم أن دولاً تقع في قلب مناطق التوتر نفسها لم تتعجل تحميل شعوبها الأعباء بنفس السرعة، بل حاولت قدر الإمكان امتصاص الصدمة وحماية مواطنيها من موجات الغلاء المفاجئة.
أما في مصر، فقد ترسخت لدى كثيرين قناعة بأن المواطن هو الحلقة الأضعف دائمًا، وهو الطرف الأسهل الذي يمكن أن تتحمل جيوبه تكلفة أي خلل في المعادلة الاقتصادية.
خلال السنوات الماضية دفعت الطبقة المتوسطة ثمنًا باهظًا لسلسلة طويلة من القرارات الاقتصادية الصعبة.
هذه الطبقة التي كانت عبر تاريخ مصر صمام الأمان الاجتماعي، بدأت تتآكل تدريجيًا تحت ضغط التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. كثير من الأسر التي كانت تعيش حياة مستقرة أصبحت اليوم تحسب كل خطوة وكل مصروف بدقة شديدة، ليس رفاهية بل محاولة للبقاء.
والسؤال الذي يتردد في الشارع المصري اليوم بسيط وواضح: إذا انتهت الحرب غدًا وعادت أسعار الطاقة عالميًا إلى الانخفاض، هل ستعود أسعار البنزين والسولار في مصر إلى ما كانت عليه؟
الإجابة التي يعرفها الناس من تجاربهم السابقة ليست مطمئنة. فالتجربة تقول إن الأسعار في مصر عندما ترتفع نادرًا ما تعود إلى الوراء، وكأن الزيادة تتحول إلى واقع دائم لا يتغير حتى لو تغيرت الظروف التي أدت إليه.
لهذا فإن القضية لم تعد مجرد أرقام في معادلة اقتصادية، بل أصبحت قضية ثقة بين الدولة والمواطن. فالمجتمعات لا تقوم فقط على القرارات الاقتصادية، بل على الإحساس بالعدالة والإنصاف، وعلى شعور المواطن بأن الأعباء توزع بعدل، وأن الدولة تقف إلى جواره لا أمامه.
إن الانحياز الحقيقي في هذه اللحظة يجب أن يكون واضحًا وصريحًا للسواد الأعظم من الشعب المصري، وفي القلب منهم الطبقة المتوسطة ومحدودو الدخل الذين استنزفتهم سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية. فهؤلاء هم الذين يحملون على أكتافهم استقرار المجتمع، وهم الذين يدفعون الثمن الأكبر لكل قرار اقتصادي.
قد تكون الأزمات الدولية خارج إرادتنا، لكن طريقة إدارة آثارها على المواطن هي قرار داخلي بالكامل. ومن حق الناس أن يشعروا بأنهم ليسوا دائمًا الطرف الذي يُطلب منه وحده أن يتحمل فاتورة كل شيء.
فالاقتصاد قد يقوم على الأرقام، لكن استقرار الأوطان يقوم أولاً على الثقة. وإذا تراجعت الثقة، تصبح كل القرارات مهما كانت مبرراتها موضع شك، ويصبح المواطن أكثر قلقًا على غده وأكثر شعورًا بأنه يقف وحيدًا في مواجهة أعباء لا تنتهي.
الأكثر قراءة
-
ننشر أمر إحالة فنانة شهيرة و4 آخرين بتهمة سرقة سيدة للجنايات (خاص)
-
جريمة تهز عزبة النخل.. مقتل أب أمام منزله أثناء شراء "علبة سجائر"
-
26 مارس.. أولى جلسات محاكمة فنانة شهيرة في قضية سرقة
-
موعد مباراة ريال مدريد ومانشستر سيتي في دوري أبطال أوروبا والتشكيل المتوقع
-
متى يفتح مطار الكويت؟.. كل ما تريد معرفته
-
بعد عرض "اللون الأزرق".. أخصائية تخاطب تكشف لماذا لا يشبه كل أطفال التوحد "حمزة"؟
-
ننشر أقوال فنانة شهيرة بقضية سرقة منقولات وإصابة سيدة بقصر النيل (خاص)
-
"الزئبقي" الجديد في مدرسة الفن والهندسة.. تعرف على أحمد صفوت موهبة الزمالك الصاعدة
أكثر الكلمات انتشاراً