الثلاثاء، 17 مارس 2026

09:03 م

سبق الأزهر بـ16 عاما.. مسجد "الحسن الصالح" تحفة معمارية في حضن المنيا

مسجد الحسن الصالح" بالمنيا

مسجد الحسن الصالح" بالمنيا

في حضن قرية البهنسا التابعة لمركز بني مزار شمال محافظة المنيا، يتوارى خلف أشجار النخيل الخضراء واحد من أهم وأقدم المساجد التاريخية في مصر، إنه مسجد “الحسن الصالح”، الحفيد المباشر للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والذي يحمل في جدرانه وأعمدته عبقرية العمارة الإسلامية عبر العصور، ليكون شاهدًا على تاريخ الفتح الإسلامي في صعيد مصر.

أيقونة تاريخية بنسب شريف

يُعد مسجد الحسن بن صالح بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضوان الله عليهم) أيقونة دينية وأثرية فريدة، ليس فقط لمكانته الروحية كنسب يصل إلى آل البيت، بل لكونه أقدم من الجامع الأزهر الشريف في القاهرة، حيث يؤكد خبراء الآثار أن تاريخ تأسيس المسجد يعود إلى عام 332 هجرية، أي قبل بناء الأزهر بحوالي 16 عامًا، ما يضفي عليه قيمة تاريخية استثنائية في سجل الآثار الإسلامية العالمية.

البهنسا.. أرض استشهد بها 5000 صحابي

لا يمكن الحديث عن مسجد الحسن الصالح بمعزل عن محيطه التاريخي. فالبهنسا، تلك البلدة الهادئة، تُعرف في كتب التاريخ والمراجع الإسلامية باسم "البقيع الثاني" ، فيقول أمير أحمد، مفتش آثار بالمنيا، إن هذه الأرض ارتوت بدماء الآلاف من شهداء الفتح الإسلامي عام 21 هجرية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أوفد الخليفة القائد عمرو بن العاص على رأس 8000 مقاتل لفتح المدينة، واستشهد منهم نحو 5000، بينهم ما يزيد عئ 400 من الصحابة والأمراء، من ذرية عقيل وجعفر والعباس بن عبد المطلب.

ويحيط بالمسجد على مسافة كيلومترين تقريبًا مقابر هؤلاء الصحابة، مما يجعل المنطقة مزارًا روحانيًا هامًا، حيث تضم رفات كل من “علي وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، زياد بن سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ومحمد بن عقبة بن سعيد، وميسرة بن مسروق، وغيرهم ” ممن جسدوا بدمائهم ملحمة الفتح الإسلامي في مصر.

تحفة معمارية تجمع بين الطراز الفاطمي والمملوكي

من الناحية المعمارية، يكشف المسجد عن طبقات تاريخية متعددة ، فقد تم تخطيطه في العصر الفاطمي على غرار الطراز المعماري للجامع الأزهر، ثم أعيد بناؤه وتوسعته في العصر المملوكي، وخضع لعمليات ترميم في العصر الحديث.

ويتكون المسجد من صحن أوسط مكشوف يحيط به رواقان رئيسيان:

  • رواق القبلة (الرواق الكبير): وهو الأكبر ويقام فيه صلاة الجماعة، ويحتوي على محراب عالٍ وقبة خشبية.
  •  الرواق البحري (الأصغر): وينتهي بضريح الإمام الحسن بن صالح، الذي يضع الزائر يديه على بداية قصة هذا المكان المبارك.

أبرز ما يميز المسجد هو احتواؤه على 42 عمودًا من الحجر تحمل سقوفه، وتتوجها شرفات مزينة بنقوش وزخارف إسلامية بديعة. كما تعلوه مئذنة عالية مزركشة بنفس النقوش الإسلامية الأصيلة.

ساقية أثرية تربط المسجد ببحر يوسف

واحدة من أعجب التفاصيل في هذا المسجد هي وجود ساقية أثرية (بقايا أطلال) في ساحته الغربية المكشوفة، ويوضح “ مصطفي  سري ”، أحد أبناء القرية، آلية عمل هذه الساقية قائلاً: "كانت هذه الساقية تقوم برفع المياه من بحر يوسف المجاور (على بعد 100 متر فقط) عبر نفق يمتد تحت الأرض ليصل إلى المسجد، حيث يخزن الماء في حوض كبير بداخله. هذه هندسة فريدة تدل على براعة المعماريين المسلمين في توفير سبل الراحة للمصلين والزائرين".

مزار سياحي وديني متجدد

اليوم، وبعد ترميمه أصبح مسجد الحسن الصالح مزارًا رئيسيًا للسياحة الدينية والثقافية في محافظة المنيا. فهو ليس مجرد مسجد تاريخي، بل هو متحف مفتوح للعمارة الإسلامية، وبوابة لاستكشاف تاريخ منطقة "البقيع الثاني" المليئة بالأضرحة والمقامات التي تروي قصص البطولة والفداء.

زيارة مسجد الحسن الصالح رحلة عبر الزمن، تقف فيها على أعتاب تاريخ يمتد لأكثر من 1100 عام، في مكان تتجلى فيه روحانية المكان وقدسيته، ليبقى شاهدًا على عظمة الفتح الإسلامي في قلب الصعيد.

اقرأ أيضًا: 

أيقونة عروس الصعيد.. "مسجد الفولي" يمزج العلم بالعبادة والفن بالهندسة

search