الجمعة، 27 مارس 2026

10:54 ص

سلطان الحربي

الهرم الرابع.. أخلاق المصريين

حين يُذكر اسم مصر، تحضر الأهرامات الثلاثة فورًا في الأذهان، بوصفها معجزة صمدت آلاف السنين شاهدة على عظمة التاريخ والحضارة. لكن تجربة شخصية عشتها هناك جعلتني أؤمن بوجود هرم رابع، أراه الأهم؛ هرم من القيم، والإخلاص، والإنسانية التي يحملها شعب هذا الوطن في تعاملاته اليومية.

 قدمنا من المدينة المنورة إلى مصر بقصد السياحة، وكانت المدة لا تتجاوز أسبوعين، لكن شاء الله أن نتعرض لحادث سير على طريق المنصورة، فتحولت الإقامة القصيرة إلى أكثر من أربعة أشهر قضيناها بين المتابعة والعلاج في المستشفى، والحمد لله على كل حال. وما لا يمكن تجاوزه أو محوه من الذاكرة هو ما وجدناه من معاملة راقية تفوق الوصف.

في لحظة الحادث، وقبل أن نستوعب ما حدث، تجمع كل من كان في الطريق للمساعدة، دون سؤال أو تردّد، وكأن المصاب واحد منهم. لم يكن ذلك تصرّفًا عابرًا، بل انعكاسًا حقيقيًا لروح أصيلة عند أهل مصر.

من المشاهد التي ستبقى محفورة في الذاكرة موقف الدكتورة جهاد مصطفى سعد، طبيبة نفسية كانت عائدة من إحدى دول الخليج في إجازة قصيرة، وصادفت الحادث في طريقها. بادرت إلى فحص حالة زوجتي ميدانيًا، وقدمت الإسعافات اللازمة، ثم رافقتها في سيارة الإسعاف وخلال وجودها في قسم الطوارئ، كأخت صادقة لم ينقطع تواصلها واهتمامها حتى اليوم. كانت صورة إنسانية خالصة.

 كما لا يغيب عن الذاكرة الدور الكبير للدكتور محمد عواض، استشاري جراحة المخ والأعصاب، الذي أجرى لزوجتي عمليتين في الفقرات استغرقت كل واحدة منهما قرابة ثماني ساعات. بفضل الله ثم كفاءته وإخلاصه، تكللتا بالنجاح. كان مثالًا للطبيب المتمكن، إنسانيًا قبل أن يكون مهنيًا؛ يشرح، ويشعرك بالاطمئنان.

 وخارج أسوار المستشفى، لم يكن ما عشناه في الحياة اليومية أقل وقعًا. في سيارات الأجرة ووسائل النقل المختلفة، وجدت احترامًا وبساطة وروحًا طيبة في التعامل. أذكر السائق محمد الشاعر “أبو فرح”، الذي تحول في كل مشوار إلى مرشد سياحي يحكي عن بلده بحب وفخر، ومحمود السيد “أبو بلال”، بروحه المتواضعة ودعابته التي تخفف ثقل الأيام.

 ولا أنسى محمد الزناتي، صاحب الكشك أسفل العمارة، الذي أصرّ بحفاوة على أن يكون حاضرًا بالدعم والمساندة في وقت ضيق، دون انتظار مقابل أو سؤال، في موقف صادق يعكس الأصالة في التعامل.

 وهناك أصدقاء لا يمكن أن يمحوهم الزمن: حامد علي المهدي، الذي وقف معنا بروح أخوية ودعم لا يُقدّر بثمن، وسامي رفاعي، الذي كان مرافقًا لنا وقت الحادث بحرصه واهتمامه الذي يطمئن القلب، والمستشار ياسر الشربيني، بأدبه الرفيع وهدوئه الراقي.

ما أرويه هنا نموذج بسيط لما يقدّمه ملايين المصريين الذين تسمو أخلاقهم مع كل زائر لمصر.

 ومن المشاهد التي أثارت دهشتي موقف بسيط في طريق مزدحم؛ دراجة نارية محمّلة بشكل خاطئ تسببت في احتكاك عدة سيارات، بينها التي كنت أستقلها مع صاحب الأجرة كان الضرر واضحًا، ورأيت سائق الدراجة يقف مرتبكًا من شدة التوتر. وبعد كلمات عتب سريعة، توقعت أن يتصاعد الموقف، لكن كل شيء انتهى بعبارة واحدة: «روح، الله يسهل عليك».

سرعة التسامح والتنازل، رغم وضوح الحق، لأصحاب السيارات أمر يثير الإعجاب ويكشف جانبًا جميلًا من سلوك أهل مصر وطباعهم الكريمة.

 لا أدعي أن السلبيات غائبة؛ فهي موجودة في كل بلاد العالم. لكن ما يميّز شعب مصر هو نُبل النفس، وشهامة حاضرة في اللحظات العصيبة، خصال تجعل القرب منهم تجربة تستحق أن تُسجَّل بفخر في صفحات هذا الوطن العظيم.

لقد علمتني هذه التجربة أن الفضيلة لا تحتاج إلى شعارات كي تثبت ذاتها؛ فموقف واحد صادق كفيل بأن يعرّفك بمعنى الإنسانية الحقيقية. وحين ترى هذه الصور تتكرر من أشخاص مختلفين، تدرك أن الطيبة ليست تصرفًا فرديًا، بل جزء من روح المجتمع كله.

كل هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها، الكبيرة في معناها، جعلتنا نرتبط بمصر وشعبها ارتباط محبة صادقة، وتركت أثرًا خالدًا في القلب. ولعل هذا المعنى يفسر المقولة الشهيرة: «من يشرب من نيل مصر لا بد أن يعود إليها.

فليس ماء النيل وحده ما يجذب، بل حفاوة الاستقبال، وخفّة ظل تزيح الهموم، وإنسانية صادقة تختصرها كلمة تُسمَع في كل مكان، ابتداءً من المطار: «يا مرحبًا».

نعم، هؤلاء هم شعب مصر؛ هم الهرم الحقيقي الأكبر الذي يأسر القلوب ويترك أثرًا لا يُمحى، وهم نيل آخر يروي روحك قبل أن يروي أرضهم. عاشت مصر، وعاش أهلها بما فيهم من صدق، وكرم، وعزة نفس.

search