الثلاثاء، 31 مارس 2026

12:19 م

«حكاية نرجس»… الوجه الناعم للجريمة في الدراما

في لحظة تبدو عابرة من تاريخ الدراما، لكنها في حقيقتها كاشفة لطبقات أعمق في الوعي الجمعي، يبرز مسلسل حكاية نرجس بوصفه أكثر من مجرد عمل فني ناجح؛ بل باعتباره ظاهرة تستحق القراءة، لا من زاوية الحكاية وحدها، وإنما من زاوية ما تكشفه الحكاية عن الإنسان حين يختلط عليه ميزان العاطفة بميزان العدالة.

لقد استطاع العمل أن يحقق حضورًا جماهيريًا لافتًا، وأن يتربع على صدارة المشاهدة في موسم مزدحم، وهو نجاح لا يمكن التقليل من شأنه، لأنه يعكس قدرة صانعيه على الإمساك بخيوط التشويق، وعلى مخاطبة وجدان المشاهد بلغة بصرية ودرامية متماسكة. غير أن النجاح، في ذاته، ليس معيارًا كافيًا للحكم، إذ تبقى القيمة الحقيقية لأي عمل فني كامنة في رسالته، وفي الأثر الذي يتركه في بنية الوعي العام.

تقدم “نرجس” نموذجًا لإنسانة مأزومة، محاصرة بضغط اجتماعي قاسٍ، يتجسد في نظرة المجتمع للمرأة التي لا تنجب، وكأنها كائن ناقص، أو مشروع فشل إنساني. هذا الضغط، الذي هو في ذاته خلل اجتماعي يستحق النقد، تم توظيفه دراميًا لتفسير مسار الشخصية، وتحولها من حالة الضعف إلى حالة العدوان. وهنا تبدأ الإشكالية، لا في التفسير، بل في المسافة الفاصلة بين التفسير والتبرير.

إن الإنسان، في أي مجتمع، هو نتاج تفاعل معقد بين ظروفه ووعيه واختياراته. وقد علمتنا قراءة الإنسان في سياقه، كما قدمها جمال حمدان، أن البيئة تضغط، نعم، لكنها لا تلغي الإرادة، وأن المجتمع يؤثر، لكنه لا يصنع الجريمة وحده. ومن ثم، فإن تقديم “نرجس” بوصفها ضحية التنمر فقط، دون موازنة كافية مع فداحة أفعالها، يفتح الباب أمام خلل في إدراك العلاقة بين السبب والنتيجة.

لقد ارتكبت الشخصية، كما يعرضها العمل، سلسلة من الجرائم التي تمس جوهر الحياة الإنسانية: خطف أطفال، تدمير أسر، وزرع الشقاق داخل العائلة الواحدة. هذه الأفعال، في ميزان القيم، لا يمكن أن تُختزل في رد فعل على ألم شخصي، مهما بلغ هذا الألم. فالمعاناة، في جوهرها، اختبار أخلاقي، وليست تصريحًا مفتوحًا للانحراف.

غير أن الخطورة الحقيقية في البناء الدرامي للعمل تكمن في زاوية الرؤية؛ إذ اقتربت الكاميرا كثيرًا من معاناة “نرجس”، بينما ابتعدت، أو كادت، عن معاناة الضحايا. هذا الاختلال في توزيع الضوء والظل داخل السرد، خلق حالة من التعاطف غير المتوازن، حيث بدا الجاني حاضرًا بعمق إنساني، بينما غاب الضحية في الهامش، وكأنه تفصيل ثانوي في الحكاية.

وهنا، يتحول الفن من أداة كشف إلى أداة إرباك. فحين يغيب صوت الضحية، تتشوش الصورة، ويصبح المشاهد، دون أن يشعر، مهيأً لتقبل ما لا ينبغي تقبله. إن التعاطف، في ذاته، قيمة إنسانية نبيلة، لكنه إذا انفصل عن الوعي، تحول إلى مدخل لتزييف الحقائق، وإعادة ترتيب القيم على نحو مقلوب.

ولا يعني هذا أن الفن مطالب بإصدار أحكام أخلاقية مباشرة، أو بتقديم شخصيات أحادية البعد، بل على العكس، قوته تكمن في قدرته على تقديم الإنسان في تعقيده وتناقضه. غير أن هذا التعقيد يجب ألا يأتي على حساب وضوح الحدود بين الفعل ونتيجته، بين الجريمة ومسؤوليتها. فهناك خيط رفيع بين فهم الدوافع وتجميل الأفعال، وإذا انقطع هذا الخيط، فقد الفن إحدى أهم وظائفه: حفظ التوازن في الوعي.

إن ما يطرحه العمل، من حيث لا يقصد ربما، هو سؤال أعمق يتعلق بطبيعة المجتمع ذاته: هل نحن أمام مجتمع يخلق ضحاياه ثم يعاقبهم، أم أمام أفراد يختارون، في لحظة ما، أن يتحولوا من ضحايا إلى جلادين؟ الإجابة، بطبيعتها، ليست بسيطة، لكنها لا يمكن أن تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن المسؤولية الفردية تظل حجر الزاوية في أي بناء أخلاقي.

لقد كان من الممكن للعمل أن يبلغ درجة أعلى من النضج، لو أنه منح مساحة أوسع لمعاناة الضحايا، ولو أنه أعاد التوازن إلى المعادلة، بحيث يرى المشاهد الصورة كاملة، لا نصفها فقط. فالفن، في نهاية المطاف، ليس مجرد مرآة، بل هو أداة تشكيل، وما يعرضه لا يمر مرور الكرام، بل يترسب في الوعي، ويعيد تشكيله ببطء.

من هنا، فإن “حكاية نرجس” تظل تجربة جديرة بالتأمل، لا لأنها أخفقت، بل لأنها اقتربت من منطقة شديدة الحساسية، دون أن تحكم السيطرة عليها بالكامل. نجحت في شد الانتباه، لكنها أثارت، في الوقت نفسه، تساؤلات مشروعة حول حدود التعاطف، ودور الفن في التعامل مع القضايا الأخلاقية المعقدة.

في النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل: إن الألم يفسر، لكنه لا يبرر، وإن الإنسان، مهما أحاطت به الضغوط، يظل مسؤولًا عن اختياراته. أما الفن، فمسؤوليته أكبر، لأنه لا يخاطب فردًا بعينه، بل يخاطب وجدان مجتمع بأكمله، وما بين الحكاية والوعي، تتحدد ملامح ما نكون عليه.

search