الأربعاء، 08 أبريل 2026

08:18 ص

مصطفى صلاح

قصة رجلٍ خسر الحياة في طابور الانتظار

لم يكن مشهدًا عابرًا، ولا خبرًا يمكن أن يُطوى في سطور قليلة ثم يُنسى. رجلٌ مسن، أنهكه العمر، وأرهقته الأيام، وقف طويلًا أمام بابٍ كان يفترض أن يمنحه حقه، أن يمد له يد الرحمة في سنواته الأخيرة، فإذا به يتحوّل إلى نهاية الطريق. لم يحتمل الانتظار أكثر، ولم يعد في قلبه متسع لخيبة جديدة، فاختار أن يُنهي الحكاية بنفسه… معلقًا جسده على بابٍ من حديد، كأنه يكتب بدمه رسالة أخيرة لم تصل.

هذا الرجل لم يكن يبحث عن رفاهية، لم يطلب امتيازًا، لم يسعَ لترفٍ زائد. كان يطلب فقط معاشًا، حقًا بسيطًا يكفل له أن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة. لكنه، في كل مرة، كان يعود بخيبة جديدة، بإجراء ناقص، بورقة مؤجلة، بموظفٍ يؤجل، بنظامٍ لا يرى الإنسان بقدر ما يرى الملفات. ومع كل مرة، كان جزءٌ منه ينكسر، حتى لم يتبقَ فيه ما يمكن أن يحتمل المزيد.

حين يقرر إنسان في هذا العمر أن يشنق نفسه، فالقصة لا تكون لحظة ضعف عابرة، بل سلسلة طويلة من الخذلان. هي تراكمات من الإهمال، من التجاهل، من الإحساس بأنه غير مرئي. هو شعور قاتل بأنك خارج الحسابات، وأن صوتك لا يصل، وأن معاناتك لا تُحدث أثرًا في عالمٍ يتحرك من دونك.

لكن المأساة لا تتوقف عند هذا الحد. الأكثر إيلامًا، هو ما حدث بعد ذلك. الصمت. صمتٌ ثقيل، كأنه جزء من المشهد. لا ضجيج يليق بحجم الفاجعة، لا مساءلة واضحة، لا رد فعل يوازي بشاعة النهاية. وكأن الرجل مات وحده، وعاش وحده، ورحل دون أن يترك أثرًا يُقلق أحدًا.

هنا يصبح السؤال ضروريًا، ومؤلمًا في آنٍ واحد: من المسؤول؟ هل هو موظفٌ تأخر في أداء عمله؟ أم منظومة كاملة اعتادت البطء والتعقيد؟ أم مجتمعٌ لم يعد يلتفت إلا لما يلمع ويثير؟ الحقيقة أن المسؤولية لا يمكن أن تُلقى على طرفٍ واحد. إنها شبكة ممتدة من التقصير، تبدأ من التفاصيل الصغيرة، وتنتهي بكارثة كبيرة.

الدولة، بكل مؤسساتها، مطالبة بأن تقف أمام هذه الحادثة وقفة جادة. ليس فقط لمعرفة ما حدث، بل لفهم كيف وصل الأمر إلى هنا. كيف يمكن لإنسان أن يطرق بابًا رسميًا طلبًا لحقه، فينتهي به الأمر معلقًا عليه؟ أين الخلل؟ وأين كان يمكن إنقاذه قبل أن يصل إلى هذه اللحظة؟

والإعلام، الذي يُفترض أن يكون صوت الناس، عليه أن يراجع أولوياته. لأن هذه القصة ليست مجرد حادثة، بل جرح مفتوح في جسد المجتمع. تجاهلها لا يمحوها، بل يزيدها عمقًا. والحديث عنها ليس ترفًا، بل واجب، لأن الصمت هنا شريك في الألم.

أما نحن، كمجتمع، فعلينا أن نسأل أنفسنا: متى أصبحنا قادرين على رؤية مثل هذه المشاهد دون أن تهتز أرواحنا؟ متى فقدنا حساسيتنا تجاه الألم الإنساني؟ متى أصبح موت إنسانٍ بهذه الطريقة مجرد خبرٍ يمر، دون أن يترك فينا أثرًا حقيقيًا؟

إن أخطر ما في هذه الحكاية، ليس فقط ما حدث، بل ما يمكن أن يحدث بعدها إذا لم نتوقف. إذا مرّ الأمر دون محاسبة، دون مراجعة، دون تغيير، فإننا نُمهّد الطريق لتكرار المأساة. وربما يكون الضحية القادمة شخصًا آخر، يقف أمام بابٍ آخر، وينتظر رحمةً لا تأتي.

هذا الرجل لم يكن يطلب الكثير. كان يريد فقط أن يعيش بكرامة، أن يجد في نهاية عمره بعض الأمان. لكنه لم يجد سوى أبواب مغلقة، حتى اختار بابًا واحدًا ليكون نهايته. بابًا من حديد، لا يعرف الرحمة، لكنه على الأقل لم يخدعه.

رحل الرجل، وترك خلفه سؤالًا ثقيلًا، لن يسقط بالتقادم: كم إنسانًا يجب أن نخسره، قبل أن نُدرك أن الكرامة ليست رفاهية؟ وأن تأخير الحق قد يساوي في بعض الأحيان قتله؟
ربما لن تعود الحياة إليه، لكن ما يجب ألا يموت معه، هو هذا السؤال. لأنه ببساطة، ليس عن رجلٍ واحد… بل عن مجتمعٍ كامل، يقف الآن أمام مرآته، ويرى وجهه الحقيقي.

search