الأحد، 12 أبريل 2026

12:49 ص

أحلام مكبلة بالجنازير.. هل يغادر سكان المقابر حياة الموتى إلى شقق بالإيجار؟

بعض المواطنين يعيشون في المقابر

بعض المواطنين يعيشون في المقابر

مع غروب الشمس عن العاصمة، يُزاح الستار عن عالم آخر يغرق في صمت لا يقطعه سوى نباح كلب ضال أو أنين طفل جائع.. هنا، بين شواهد القبور في منطقة “السيدة عائشة” بالقاهرة، والأباجية، وصلاح سالم، وباب النصر، والدراسة، تتوارى قصص لعائلات كثيرة اتخذت من أطلال الموتى ملاذًا لحياتها الهشة.

ومع إعلان الحكومة مؤخرًا طرح وحدات سكنية بنظام الإيجار للفئات غير القادرة، طفا على السطح تساؤل مهم: هل تصل مفاتيح هذه الشقق إلى الأيدي الخشنة التي اعتادت إغلاق أبواب المقابر عليها بالجنازير كل ليلة؟ أم أن فاتورة الحياة الكريمة تفوق قدرة من اعتادوا السكن في المقابر بالمجان؟

"تليجراف مصر" تجولت في عدد من المقابر التي تعيش فيها العديد من الأسر الفقيرة، لتناقش موضوع الشقق التي طرحتها الحكومة ليستفيد منها محدودي الدخل، ولنعرف هل يسعى هؤلاء لمغادرة المقابر والحصول على شقة إيجار أم أن هذا الحلم سيقى مؤجلًا للأبد لأسباب خارجة عن إرادتهم.

المقابر لم تعد آمنة

خلف باب حديدي صدئ، التقينا "سلوى أحمد"، التي طوت من عمرها 53 عامًا لم تعرف فيها عنوانًا سوى المقابر.. فقد وُلدت هنا، وتزوجت هنا، وتدير رحى حياتها بمبلغ زهيد لا يتجاوز ألف جنيه تتقاضاه من مشيخة الأزهر، ومئة جنيه أخرى تجنيها من خدمة بعض المساجد.

تتشبث سلوى بخيط الأمل في مبادرة الإيجار الحكومية، قائلة: "أتمنى أن نحصل على شقة، فالمنطقة هنا فقدت أمانها، وباتت مرتعًا للصوص وتجار المخدرات.. أعيش بمفردي مع بناتي، ونضطر لإغلاق الباب علينا بالجنزير من التاسعة مساءً حتى صباح اليوم التالي".

cdf4f5bc-f17e-4720-818c-c499c63bc74d
هنا يعيش بعض المواطنين بين شواهد القبور

سلوى حددت سقف أحلامها المادية، مؤكدة أنها مستعدة لاقتطاع جزء من لحمها الحي لدفع إيجار يتراوح بين ألف و1500 جنيه شهريًا، هربًا من جحيم الخوف. وليس ببعيد عن مأساة سلوى، تقف "سنية حسين"، ابنة الثمانية والأربعين ربيعًا، التي تتشارك مع جارتها المصير ذاته.

تعتمد سنية على معاش للمطلقات يبلغ 750 جنيهًا، وتقتات من رعاية القبور، ورغم ضيق الحال، تبدي استعدادًا لدفع 1500 جنيه كإيجار، مبررة ذلك بعبارة تلخص قسوة المشهد: “مين عايش زينا في المقابر ببلاش هيسيبها ويروح يسكن في شقة إيجار؟”.

أرقام الفقر التي تكسر حلم الانتقال

على النقيض من رغبة الهروب، يقف الفقر حائط صد منيع أمام أحلام البعض الآخر، "نبيل حامد"، رجل في عقده الخامس، لا يملك من حطام الدنيا سوى ما تجود به أيدي أهالي الموتى عند زيارتهم.

5f2a5b2b-4418-4976-a507-b217def7afb4
أحد سكان المقابر يعيش على ما تجود به أيدي أهالي الموتى عند زيارتهم

ويتساءل نبيل بمرارة: "أجيب منين فلوس أدفع بيها إيجار شقة زي اللي طرحتها الحكومة؟ يعني أعلم بنتي ولا أسكن في شقة؟".

أما "حسنية فتح الله"، فهي أرملة زادها الموت وحشة فوق وحشتها، حيث تُوفي زوجها الذي كان يعمل سائقًا قبل عشرة أيام فقط، لتجد نفسها بعد 40 عامًا من السكن في المقابر بلا سند ولا معاش. وبالنسبة لها فإن الشقق الجديدة مجرد سراب لا تملك ثمنه.

فيما تزداد الصورة قتامة مع مسن يُدعى “صلاح حفني”، ففي هذا المكان قضى 60 عامًا، واليوم يعاني بسبب إصابته بانزلاق غضروفي يمنعه من العمل، ويعول زوجته وابنته الأرملة بمبلغ 800 جنيه فقط يحصل عليها من برنامج "تكافل وكرامة"، ويقول بصوت يكسوه اليأس: "اللي يسكن بالمجان في المقابر ماينفعش يسيبها ويروح يسكن في إيجار".

وتكتمل فصول المعاناة مع "فاطمة حسن"، التي تقيم في "حوش" تابع لإحدى المقابر منذ 37 عامًا، فرغم تقاضيها معاشًا  2500 جنيه، فإن المرض يلتهم ألف جنيه شهريًا تنفقها على الأدوية بسبب إصابتها بجلطتين في المخ قبل سنوات.

ورغم أن نجلها يعمل فرد أمن براتب ثلاثة آلاف جنيه، فإن هذا الدخل المجمّع بالكاد يكفي لسد الجوع ومصاريف العلاج، متسائلة: "هل هناكل ولا نتعالج، ولا نروح نسكن بالإيجار؟".

e11276a7-18ed-4964-bffc-d6809220079c
"فاطمة حسن"، التي تقيم في "حوش" منذ 37 عامًا

تفاصيل طرح الحكومة وحدات بالإيجار

وأعلنت وزارة الإسكان أن المرحلة الأولى من طرح وحدات الإيجار ستشمل مدنًا ومشروعات رئيسية مثل روضة العبور، والعاشر من رمضان، وزهرة الأمل بمدينة الأمل، مع توفير وحدات إضافية في محافظات القاهرة والشرقية والقليوبية والمنوفية وبني سويف.

وقد يصل إيجار الوحدات السكنية في مشروع الإيجار التمليكي إلى 1500 جنيه شهريًا للمساحة 90 مترًا مربعًا، و1200 جنيه شهريًا للمساحات 75 مترًا مربعًا، وهي أسعار مدعومة تستهدف الفئات غير القادرة.

ويُشترط في المتقدم للحصول على الوحدة أن يكون مصري الجنسية، وألا يقل عمره عن 21 عامًا، مع عدم الاستفادة سابقًا من برامج الإسكان الاجتماعي أو التمويل العقاري، وعدم امتلاك أي وحدة سكنية أو منزل، وأن يكون الحد الأقصى للدخل الشهري 6000 جنيه للفرد، و8000 جنيه بالنسبة للأسرة.

وتشمل المستندات المطلوبة للتقديم صورة بطاقة الرقم القومي، وشهادات ميلاد الأبناء إن وُجدت، وقسيمة الزواج، وإيصال الحجز، ورسوم التسجيل، وإثبات الدخل.

جذور الأزمة.. ثقافة العشوائية تتمدد في صمت

خبير التنمية المحلية محافظ الإسكندرية الأسبق، رضا فرحات، يضع يده على الجرح، مؤكدًا أن السكن في المقابر ليس مجرد أزمة عمرانية، بل "قضية اجتماعية مركبة".

c05b0c98-d7a2-41c4-9d37-fac8a1a2db39
خبير التنمية المحلية محافظ الإسكندرية الأسبق، رضا فرحات

ويشير فرحات إلى أن الظاهرة هي نتاج طبيعي لخلل التوازن بين الانفجار السكاني والتوسع العمراني، فضلًا عن موجات النزوح من الريف والصعيد، هؤلاء النازحون يعملون في مهن هامشية لا توفر لهم الحد الأدنى لشراء أو استئجار سكن، ما يخلق ارتباطًا اجتماعيًا واقتصاديًا معقدًا بينهم وبين المقابر.

ويحذّر من أن نقل هؤلاء السكان يتطلب تدخلًا حكوميًا منهجيًا يتجاوز مجرد توفير السكن، ليشمل دمجهم اقتصاديًا عبر مشروعات صغيرة ومناطق حرفية.

خطوة جيدة.. ولكن

من زاويتها، تعمّق أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر، الرؤية لتشمل البعد الثقافي، وتؤكد أن أحدًا لا يولد بطباع عشوائية، بل هي البيئة المحيطة وضغوط الفقر التي تنحت سلوك الإنسان.

78c67f07-4f3e-45da-a7f2-c16415fbd6f2
 أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر

لكنها بوجه عام تدعم فكرة طرح شقق بالإيجار للفئات غير القادرة، بوصفها خطوة جيدة، إلا أن القضاء على العشوائيات يواجه تحديًا يتجاوز البيئة العشوائية إلى ثقافة العشوائية المتأصلة لدى شرائح كبيرة من سكان هذه المناطق، ما يفرض - بحسب رأيها - ضرورة تأهيل المجتمعات، وإلا تحولت المناطق الجديدة مصادر لعشوائيات متكررة مع مرور الزمن.

اقرأ أيضًا: 

وزير الإسكان: قضينا على 95% من العشوائيات

مدبولي يتفقد مشروعات إحياء القاهرة التاريخية وتطوير العشوائيات اليوم

search