الإثنين، 13 أبريل 2026

12:50 ص

لتصفير ديون مصر.. مقترح المليون جنيه أم مقايضة الأصول؟

مصر

مصر

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة وتيرة الجدل داخل مجلس النواب المصري بشأن مقترحات تستهدف تصفير ديون مصر، خاصة الخارجية، بعد طرح مبادرة مجتمعية تدعو إلى سدادها خلال شهر واحد، عبر مساهمة شريحة من المواطنين القادرين، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى واقعية التطبيق وجدواه الاقتصادية.

مقترح المليون جنيه

ووفقًا لما كشف عنه النائب محمد سمير بلتاجي، مقدم الاقتراح، فإن المبادرة تقوم على مساهمة نحو 5% من الشعب المصري، من خلال تبرع كل فرد منهم بمليون جنيه، مؤكدًا أنه سيكون أول المتبرعين، في إطار تحمل المسؤولية الوطنية ومساندة الدولة في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.

من جانبه، أوضح الخبير المصرفي عز الدين حسانين، أن مقترح اقتطاع نسب من دخول المواطنين وكبار الممولين لسداد جزء من الدين العام، الذي بلغ نحو 15 تريليون جنيه في العام المالي 2025 /2026، يعكس ارتباكًا في فلسفة السياسة المالية وخلطًا غير دقيق بين دور الدولة ودور الكيانات التطوعية.

مقترح صفر دين عام محلي

وكشف حسانين، في تصريحات خاصة لـ"تليجراف مصر"، عن مقترح متكامل لإعادة هيكلة الدين المحلي الحكومي عبر الصندوق السيادي المصري، بما يسمح بتحويله تدريجيًا إلى “صفر دين عام محلي”، مؤكدًا أن معالجة ملف الدين لا يمكن أن تعتمد على حلول استثنائية أو وقتية، وإنما تتطلب أدوات مالية وهيكلية مستدامة قادرة على التعامل مع جذور الأزمة.

16831479074413202511140628562856
الخبير المصرفي عز الدين حسانين

وأوضح حسانين أن الفكرة الأساسية لمقترح “تصفير الدين المحلي” تقوم على نقل عبء الدين من كونه التزامًا مباشرًا على الموازنة العامة للدولة إلى كيان استثماري مملوك لها، يتمتع بمرونة مالية وإدارية، ولديه القدرة على إدارة الأصول وتعظيم عوائدها، لافتًا إلى أن هذا الطرح يستند إلى الإطار القانوني المنظم لعمل الصندوق السيادي، والذي يمنحه موازنة مستقلة وذمة مالية منفصلة، بما يسمح له بالتحرك خارج القيود التقليدية للموازنة العامة.

إنشاء شركة قابضة كبرى 

وأضاف أن جوهر الرؤية يتمثل في تحويل الدين من عبء مالي إلى فرصة استثمارية، من خلال إنشاء شركة قابضة كبرى تابعة للصندوق السيادي، تتولى إدارة حزمة من الأصول الحكومية الاستراتيجية، بما يحقق تدفقات نقدية مستدامة يمكن الاعتماد عليها في خدمة الدين.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن هذه الشركة القابضة ستضم أصولًا متنوعة في قطاعات حيوية مثل الطاقة، بما يشمل البترول والكهرباء والغاز، إلى جانب المرافق كالمياه والصرف الصحي، وقطاعات الاتصالات والعقارات والبنية التحتية، وهي قطاعات تتميز بقدرتها على تحقيق عوائد مستقرة وقابلة للنمو على المدى المتوسط والطويل.

وفيما يتعلق بآلية التنفيذ، أوضح حسانين أن المقترح يقوم على نموذج مالي مبتكر يُعرف بـ“مقايضة الدين بالأصول”؛ حيث يتم تحويل الدين المحلي المستحق للبنوك والمؤسسات المالية إلى الصندوق السيادي، مقابل نقل ملكية أصول حكومية إلى شركة قابضة تابعة له.

كيان اقتصادي ضخم

وتابع: “في هذه الحالة، تتحول البنوك من مجرد دائنين للحكومة إلى مستثمرين في كيان اقتصادي ضخم، من خلال حصولهم على أسهم ممتازة تصدرها الشركة القابضة، بما يضمن لهم عائدًا دوريًا ثابتًا”، مؤكدًا أن هذا العائد سيتم ربطه بسعر الإيداع لدى البنك المركزي المصري، بحيث لا يقل عنه، مع صرفه بشكل دوري، وهو ما يضمن الحفاظ على استقرار وربحية القطاع المصرفي، وعدم تعرضه لأي ضغوط نتيجة هذا التحول.

وشدد حسانين على أن أحد أبرز مزايا هذا الطرح يتمثل في خروج الدين المنقول من الموازنة العامة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تحسن مؤشرات الدين الحكومي، سواء من حيث نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي أو حجم خدمة الدين مقارنة بالإيرادات.

وأضاف أن هذا التحول يتيح أيضًا تحرير موارد مالية كبيرة كانت موجهة لسداد الفوائد والأقساط، بما يسمح بإعادة توجيهها نحو قطاعات خدمية وتنموية أكثر أولوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، وهو ما يعزز من كفاءة الإنفاق العام.

وحول آليات التنفيذ، أوضح حسانين أن المقترح يتضمن خطة متكاملة على عدة مراحل، تبدأ بتشكيل لجنة عليا تضم ممثلين عن الحكومة والبنك المركزي المصري والصندوق السيادي، إلى جانب خبراء اقتصاديين وقانونيين؛ بهدف تحديد حجم الدين المستهدف والأصول المقابلة له.

وأشار إلى أن المرحلة التالية تشمل تأسيس شركة قابضة ونقل الأصول إليها، ثم الدخول في مفاوضات مع البنوك والمؤسسات المالية لتحويل الدين إلى استثمارات عبر إصدار الأسهم الممتازة، على أن تتولى الشركة لاحقًا إدارة الأصول وتعظيم عوائدها، مع الالتزام بتوزيع أرباح دورية للمستثمرين.

كما لفت إلى أن المقترح يتضمن منح البنوك خيارات مرنة مستقبلًا، سواء بتحويل الأسهم الممتازة إلى أسهم عادية أو تسييلها، بما يعزز من جاذبية هذا النموذج الاستثماري.

وشدد حسانين على أن المقترح يضع في اعتباره الحفاظ على استقرار القطاع المصرفي، من خلال تقديم حزمة متكاملة من الضمانات، تشمل حدًا أدنى مضمونًا للعائد لا يقل عن سعر الإيداع لدى البنك المركزي، وصرف العوائد بشكل دوري، إلى جانب إتاحة إمكانية إعادة بيع الأسهم الممتازة أو تسييلها عند الحاجة.

إنشاء صندوق خاص لتعويض أي فروق محتملة في العوائد

وأضاف أن الخطة تتضمن أيضًا إنشاء صندوق خاص لتعويض أي فروق محتملة في العوائد، بما يضمن استقرار التدفقات النقدية للبنوك، والحفاظ على مؤشرات السيولة وكفاية رأس المال وفقًا للمعايير الدولية.

واستعرض حسانين نموذجًا تطبيقيًا للمقترح، يقوم على تحويل نحو 5 تريليونات جنيه من الدين المحلي، مقابل أصول حكومية بقيمة 5.5 تريليون جنيه، بما يوفر غطاءً ماليًا إضافيًا بنسبة 110%، ويؤسس لكيان استثماري ضخم يمتلك محفظة متنوعة من الأصول القادرة على توليد عوائد مستدامة، موضحًا أن هذا الكيان سيكون مسؤولًا عن خدمة الدين من عوائد هذه الأصول، بدلًا من تحميل الموازنة العامة بهذه الأعباء، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة الدين.

وأقرّ الخبير المصرفي بوجود عدد من التحديات التي قد تواجه تنفيذ هذا المقترح، من بينها ضرورة التقييم الدقيق والعادل للأصول، والحاجة إلى إطار تشريعي وتنظيمي متكامل، إلى جانب أهمية ضمان قبول البنوك والمؤسسات المالية، مشددًا على أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب الاستعانة ببيوت خبرة دولية، وتحديث القوانين المنظمة، وتعزيز مستويات الشفافية، فضلًا عن التنسيق الوثيق مع البنك المركزي المصري لضمان استقرار السوق المصرفي خلال مراحل التنفيذ.

أقرأ أيضًا

صاحب مقترح التبرع بمليون جنيه لتسديد ديون مصر: "هنربط طوبة على بطننا"

search