السبت، 18 أبريل 2026

05:15 ص

النائبة سحر البزار عضو مجلس النواب

قانون الأحوال الشخصية في مصر .. لحظة تشريعية فارقة

منذ عقود طويلة، ظلّ قانون الأحوال الشخصية في مصر يُمثّل ملفًّا شائكًا تتشابك فيه خيوط الفقه والسياسة والمجتمع، حتى بات مرآةً تعكس طبيعة علاقة الدولة بمواطنيها في أكثر لحظاتهم خصوصيةً وهشاشة لحظات الزواج، والطلاق، والحضانة، والميراث.

مناقشة تشريع جديد

واليوم، ونحن على مشارف مناقشة تشريع جديد طال انتظاره، لا يفوتني أن أُسجّل تقديري الكامل لتوجيهات رئيس الجمهورية، الذي أبدى اهتمامًا شخصيًا بهذا الملف، والذي طالب الحكومة بالإسراع في إرسال مشروع القانون إلى البرلمان في أقرب وقت ممكن، إيمانًا منه بما فيه مصلحة المجتمع المصري وصون تماسك الأسرة المصرية.

موازين العدالة والحقيقة

هذا التوجّه الرئاسي يُعبّر عن إدراك حقيقي بأن التأخير في هذا الملف له تكلفة اجتماعية لا يمكن إغفالها حيث تتصاعد أصوات كثيرة داخل البرلمان وخارجه، بعضها يرى في التعديل تهديدًا للثوابت، وبعضها يرى فيه تصحيحًا متأخرًا لاختلال عميق في موازين العدالة والحقيقة أن القضية أعمق من هذا الجدل ثنائي القطبين.

أولًا: جوهر المشكلة
لا يمكن أن نناقش إصلاح قانون الأحوال الشخصية دون أن نعترف أولًا بأنّ الوضع الراهن يُفرز واقعًا قانونيًا مؤلمًا لفئات عريضة من المجتمع المصري، في مقدّمتها المرأة والطفل.

فالمرأة التي تطلب الطلاق قضائيًا قد تمكث سنواتٍ في دهاليز المحاكم، وهي معلّقة بين زواجٍ اسمي وحياةٍ متوقفة، وبينما يملك الزوج حق الطلاق بإرادة منفردة، تجد الزوجة نفسها أمام مسارات طويلة ومُجهِدة، سواء بالخلع الذي يُكلّفها إسقاط حقوقها المالية، أو بدعوى الضرر التي يصعب إثباتها.

أما الأطفال، فكثيرًا ما يقعون رهينةً لمعارك حضانة ونفقة تطول وتتعقّد، فيما يعاني كثير من الآباء من اشتراطات تجعل رؤية أبنائهم استثناءً لا حقًّا مكفولًا.

ثانيًا: ما الذي يجب أن يُرسيه القانون الجديد؟

في تقديري، ينبغي أن ينطلق أي إصلاح تشريعي ناجح من ثلاثة مبادئ حاكمة:
أولها: سيادة مصلحة الطفل - لا ينبغي أن تُحسم قضايا الحضانة والرؤية والنفقة بمعزل عن المصلحة الفضلى للطفل كمعيار أعلى، وفق ما أرسته الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مصر، وفي مقدّمتها اتفاقية حقوق الطفل.

وثانيها: التوازن في حق الفراق -إذا كانت الشريعة الإسلامية قد أقرّت الطلاق حقًّا للزوج وحلًّا للعقد بلا قضاء، فإنها في الوقت ذاته أرست مبادئ المعاشرة بالمعروف وعدم الإضرار، وواجب التشريع أن يجسّد هذه المبادئ في آليات إجرائية عادلة، تختصر زمن المعاناة دون أن تُهدر ضمانات الاستقرار الأسري.

وثالثها: الحماية من الزواج المبكر لا يمكن الحديث عن أحوال شخصية عادلة طالما أن فتيات قاصرات لا يزلن يُدفعن إلى عقود زواج تسرق منهن تعليمهن وصحتهن وإرادتهن.

وإذا كانت المادة 31 مكررًا من قانون الأحوال المدنية الصادر عام 2008 قد حسمت مسألة التوثيق بمنع توثيق أي عقد زواج لمن لم يبلغ الثامنة عشرة من الجنسين، فإن الثغرة الحقيقية تكمن في الزواج غير الموثق الذي يفلت من هذا النص ويبقى بلا رادع جنائي، ومن هنا تأتي أهمية القانون الجديد المرتقب الذي يُفترض أن يرتقي بالعقوبة من مستوى التأديب إلى مستوى التجريم الجنائي، ويُغلق هذا الباب نهائيًا، فالحماية الكاملة للطفل لا تكتمل بنص يمنع التوثيق وحده، بل بنص يُجرّم الفعل ذاته.

ثالثًا: الإصلاح والهوية إشكالية زائفة

يُحاجج فريق من المعارضين بأن تعديل قانون الأحوال الشخصية هو ضربٌ في الهوية الدينية والثقافية للمجتمع المصري، وأنا أرى في هذه الحجة قصورًا تحليليًا واضحًا.

إنّ الهوية الإسلامية لهذا البلد لا تُصان بتجميد الاجتهاد، بل بتطويره، وفقهاء الإسلام أنفسهم اختلفوا على مسائل كثيرة في منظومة الأحوال الشخصية، ولم يتوقف ذلك الاجتهاد يومًا.

الثابتُ هو المبادئ القرآنية الكبرى: العدل، ورفع الضرر، والمعاشرة بالمعروف، أما الأحكام التفصيلية، فهي اجتهاد بشري قابل للمراجعة بما يخدم تلك المبادئ ذاتها.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذه اللحظة التشريعية لا تخصّ المسلمين وحدهم. فمصر دولة لجميع أبنائها، وقد آن الأوان لأن يحظى إخوتنا المسيحيون كذلك بتشريع يليق بهم ويصون حقوقهم الأسرية؛ إذ سيُعرض في إطار هذه المنظومة التشريعية الشاملة قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين، يُعالج إشكاليات الزواج والطلاق وفق أحكام شريعتهم ومعتقداتهم.

إن مصر التي نبنيها هي مصر التي تحترم خصوصية كل مواطن دون أن تُميّز بين فئة وأخرى في الحق بالعدالة.

في مجلس النواب، نحن لا نُشرّع لأفكار، بل نُشرّع لأشخاص، لأم تنتظر قرار نفقة منذ عامين، لطفل لا يرى أباه إلا بإذن قضائي مقيّد، لرجل وجد نفسه خارج حياة أبنائه بحكم إجراءات لا إنصاف فيها.

قانون الأحوال الشخصية الجديد ليس معركةً بين الرجل والمرأة، ولا بين الدين والحداثة، هو في جوهره سؤال عن نوع المجتمع الذي نريد بناءه: مجتمع يصون الأسرة بالعدل، أم يحافظ عليها بالقهر؟
الإجابة، في رأيي، لا تحتمل التردد.

اقرأ أيضا:

نصف قرن من التجميد.. كيف أعادت توجيهات السيسي الحياة لـ"الأحوال الشخصية للمسيحيين"؟

search