الجمعة، 17 أبريل 2026

12:55 م

د. أمل منصور

بين لحظة ضعف وقرار لا عودة منه.. لماذا يختار البعض الرحيل ويترك كل شيء خلفه؟

لا أحد يبدأ رحلته مع الحياة وهو يخطط لنهايتها بيده. الفكرة لا تظهر فجأة، بل تنمو في الظل، تتغذى على تراكمات صغيرة لا يُلتفت إليها، حتى تتحول إلى ثقل داخلي يصعب احتماله. الإنسان مخلوق مهيأ للبقاء، يقاوم بطبعه، يتشبث حتى في أصعب اللحظات. لكن هناك نقطة ما، يصل عندها البعض إلى شعور قاسٍ بأن الاستمرار ذاته أصبح عبئًا.

الفارق بين من يتألم ومن يقرر أن ينهي حياته، ليس في حجم الألم فقط، بل في طريقة رؤيته له. هناك من يرى أن ما يمر به مرحلة، مهما طالت ستنتهي، وهناك من يعتقد أنها الحالة الأخيرة التي لا مخرج منها. وفي هذه المسافة الضيقة بين التأويلين، تتشكل أخطر القرارات.

في لحظة الانكسار، لا يكون الإنسان على طبيعته. إدراكه يضيق، رؤيته تختزل، وصوته الداخلي يصبح منحازًا لليأس. يبدأ العقل في تقديم أفكار تبدو منطقية لكنها في حقيقتها مشوهة، كأن يقول له: “لن يتغير شيء”، “لن يفهمك أحد”، “الخلاص في إنهاء كل هذا”. وهنا يكمن الخطر… ليس في الألم ذاته، بل في التفسير الذي يُبنى عليه.

والأكثر تعقيدًا أن بعض من يصلون إلى هذه الحالة، لا يختارون الصمت، بل يعلنون نيتهم. يكتبون، يتحدثون، يلمّحون أو يصرّحون بأنهم على وشك الرحيل. وكأن النهاية لم تعد قرارًا فرديًا، بل رسالة يريدون إيصالها. لماذا يفعلون ذلك؟ لأن داخلهم جزءًا لم يمت بعد… جزءًا يريد أن يُنقذ، أن يُفهم، أن يجد من يقول له: “ابقَ… أنا أراك”.

لكن في عالم سريع، مزدحم بالضجيج، تتحول هذه الصرخة أحيانًا إلى مشهد عام. تعليقات متضاربة، تفاعل لحظي، اهتمام مؤقت… ثم يعود كل شيء إلى صمته، بينما الشخص في الداخل يزداد وحدة. وهنا تصبح السوشيال ميديا، بدل أن تكون طوق نجاة، مساحة تُضخم الألم وتزيد من عزلته.

ثم تظهر المفارقة الأكثر إيلامًا… أن يوصي الإنسان قبل رحيله بمن يحب. يطلب من الآخرين أن يهتموا بأسرته، أن يراعوا أبناءه. وكأن قلبه ما زال متعلقًا بهم، لكنه في الوقت ذاته يختار أن يتركهم. هذا ليس تناقضًا سطحيًا، بل صراع داخلي عميق. هو يحبهم… لكنه لم يعد قادرًا على احتمال نفسه.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها… أن لا أحد يمكن أن يحل محلّك. لا أحد يمنح أبناءك نفس الأمان، ولا نفس الاحتواء، ولا نفس الحضور. الرعاية ليست واجبًا يُسلّم، بل روحًا تُعاش. ومن يرحل، لا يترك فراغًا عاديًا، بل فجوة نفسية قد تمتد لسنوات داخل من يحبونه.

الأثر لا يتوقف عند لحظة الفقد. يتحول إلى دوامة من الأسئلة، شعور بالذنب، حيرة، وألم صامت. الأبناء قد يكبرون وهم يحملون تساؤلًا مؤلمًا: لماذا لم نبقَ سببًا كافيًا لبقائه؟ وتبقى الإجابة معلقة… لأن القرار لم يكن عقلانيًا بالكامل، بل وليد لحظة مختلة.

وهنا لا بد من التوقف أمام جانب مهم كثيرًا ما يُهمل… أن بعض هذه الحالات لا تكون مجرد ضعف نفسي عابر، بل نتيجة اضطرابات حقيقية. الاكتئاب الحاد ليس مجرد حزن، بل حالة بيولوجية معقدة، يحدث فيها خلل في كيمياء الدماغ، في النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين. قد يشعر الإنسان بثقل لا يُفسر، فقدان طاقة، انعدام رغبة في الحياة، حتى لو كانت ظروفه الخارجية تبدو مستقرة.

وأحيانًا، تلعب الهرمونات دورًا كبيرًا في اضطراب الحالة النفسية، خاصة لدى النساء، أو في فترات معينة من الحياة. هذا لا يعني ضعفًا، بل يعني أن الجسد نفسه يحتاج إلى علاج، إلى توازن، إلى تدخل طبي. تجاهل هذا الجانب، أو اختزاله في مجرد “قوة إرادة”، قد يدفع الإنسان إلى مزيد من الانهيار.

وهنا يأتي التوازن الحقيقي… أن نفهم أن اللجوء إلى الله لا يتعارض مع اللجوء إلى الطبيب. أن الدعاء لا يُغني عن العلاج، كما أن العلاج لا يُغني عن الطمأنينة الروحية. كلاهما جناحان… لا يكتمل التحليق بأحدهما فقط.

“قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ”… هذه ليست مجرد آية، بل رسالة مباشرة لكل من ظن أن الطريق انتهى. الرحمة لا تُغلق أبوابها، مهما بلغ الألم، ومهما تعقدت الظروف.

“وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ”… لأن اليأس ليس حقيقة، بل شعور مؤقت يمر، وإن طال.

المشكلة ليست دائمًا في غياب الإيمان، بل في الغفلة عنه. أن تعرف الله، لكن لا تستحضره في لحظاتك الصعبة. أن تنشغل بضجيج الحياة، حتى تفقد اتصالك الداخلي. الغفلة لا تأتي فجأة، بل تتسلل بهدوء، حتى يصبح القلب ممتلئًا بكل شيء… إلا الطمأنينة.

وقد يصل الإنسان إلى حالة من الفراغ، رغم كل ما يملكه. نجاح، علاقات، حضور… لكنه يشعر أنه فارغ من الداخل. هذا الفراغ، إن لم يُفهم، قد يتحول إلى أرض خصبة للأفكار السوداء.

وفي المقابل، هناك من عاشوا نفس الألم، وربما أكثر، لكنهم اختاروا البقاء. ليس لأنهم لم يتعبوا، بل لأنهم تمسكوا بخيط رفيع من الأمل، أو بمعنى أكبر من لحظتهم. الإيمان، الحب، المسؤولية، أو حتى رغبة خفية في أن تتغير الأمور… أي سبب قد يكون كافيًا لينقذ حياة.

وأحيانًا… كلمة واحدة تفعل ذلك. شخص يسأل بصدق، يد تمتد، حضور لا يحكم… كل ذلك قد يكون الفارق بين الاستمرار والانهيار.

لكن يبقى القول الأهم، الرسالة التي يجب أن تُقال بوضوح لكل من يفكر في إنهاء حياته: أنت لا تُنهي الألم… أنت تنقله.

لا تُغلق صفحة… بل تترك صفحات مفتوحة في قلوب من يحبونك، مليئة بأسئلة لن تُجاب.

اللحظة التي تعيشها الآن، مهما كانت قاسية، ليست مؤهلة لأن تُقرر مصيرًا دائمًا.

أنت تظن أنك تُنهي المعاناة… لكنك تخلق معاناة أكبر لمن سيبقون بعدك.

تظن أنك تُنقذ نفسك… لكنك تترك من تحبهم في مواجهة الحياة دونك، وهم لم يختاروا ذلك.

وإن كنت تخاف عليهم، فبقاؤك هو الحماية الحقيقية… وليس الرحيل.

الحياة ليست سهلة، ولن تكون. لكنها ليست طريقًا مغلقًا. ما يبدو لك الآن نهاية، قد يكون بداية لم ترها بعد. القرار الذي تفكر فيه الآن، لو تأجل… قد يتغير كل شيء بعده.

لا تُعطِ لحظة عابرة، سلطة أن تُنهي قصة كاملة.

ابقَ… حتى لو كان البقاء مؤلمًا الآن. لأن الألم يتغير، يتبدل، يخف… لكن الرحيل لا يُراجع.

وفي النهاية، ليست القوة أن لا تنكسر… بل أن تُكمل رغم انكسارك.

search