الأحد، 19 أبريل 2026

01:16 م

الحل تحت القبة.. "صحافة الترند" بقعة سوداء في ثوب صاحبة الجلالة

مجلس النواب - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

مجلس النواب - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

من جريمة تهز الرأي العام، إلى ترند يتصدر الشاشات ومنصات السوشيال ميديا خلال ساعات. هذا هو المشهد الذي بات يتكرر، حيث تتحول الوقائع الإنسانية المؤلمة من انتحار واغتصاب وجرائم قتل وغيرها إلى محتوى سريع قابل للاستهلاك.

هذه الحالة المؤسفة دفعتنا إلى طرح سؤال مهم: هل حان الوقت لتدخل تشريعي يعيد الانضباط إلى المشهد الإعلامي؟ وهل يبرز دور مجلس النواب لوضع حد لما بات يُعرف بـ“صحافة الترند”؟

محتوى إعلامي “فقير”

يبدو أن حل هذه الظاهرة سيخرج من تحت قبة البرلمان، حيث أكدت رئيس لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، ثريا البدوي، أن ما يُعرف بـ“صحافة الترند” لا يمكن إدراجه تحت مظلة الصحافة المهنية، بل هو في جوهره محتوى إعلامي يفتقر إلى الأسس والمعايير التي يقوم عليها العمل الصحفي مثل الدقة والموضوعية والتحقق من المعلومات واحترام خصوصية الأفراد.

11مجلس النواب
مجلس النواب

وقالت البدوي لـ“تليجراف مصر”، إن الانجراف وراء الترندات المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي تتعلق بالحياة الشخصية أو القضايا الحساسة داخل المجتمع يعكس حالة واضحة من التراجع المهني، ويفتح الباب أمام محتوى وصفته بـ“الفقير” ولا يهدف إلا إلى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو جذب الانتباه السريع دون أي اعتبار للتداعيات المجتمعية أو الأخلاقية.

وأوضحت أن تناول قضايا شديدة الحساسية، مثل الجرائم الأسرية أو الوقائع التي تمس العلاقات داخل الأسرة، بأسلوب قائم على استعراض التفاصيل الدقيقة، والذي يخلق حالة من القلق المجتمعي ويغذي مشاعر التشكيك في ترابط الأسرة.

WhatsApp Image 2026-04-04 at 3.42.47 PM
رئيس لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، ثريا البدوي

 مقترح تشريعي جديد

وفيما يتعلق بالتحركات داخل لجنة الإعلام، كشفت البدوي نية اللجنة مناقشة إعداد مقترح تشريعي جديد يهدف إلى وضع ضوابط صارمة أو حظر النشر في القضايا التي تمس الأمن القومي أو الاجتماعي أو الثقافي، مؤكدة أن هذا التوجه يأتي في ظل التوسع الكبير في ظاهرة النشر غير المسؤول، والتي لم تعد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبحت ظاهرة تستدعي تدخلًا تشريعيًا حاسمًا.

وأشادت بالدعوات المهنية لنقيب الصحفيين، خالد البلشي والتي طالب فيها بضرورة التزام الصحفيين بحظر النشر في مثل هذه القضايا الحساسة، مؤكدة أن هذه المبادرات تعكس إدراكًا متزايدًا داخل الوسط الصحفي بخطورة الانسياق وراء الترندات على حساب المهنية.

واختتمت البدوي تصريحاتها بالتأكيد على أن الأزمة الحقيقية لا تقتصر على غياب القوانين أو ضعف تطبيقها بل تمتد إلى ثقافة النشر ذاتها وأيضًا ثقافة التلقي لدى الجمهور، داعية إلى ضرورة إعادة توجيه الخطاب الإعلامي نحو القضايا التي تسهم في تنمية المجتمع وتطويره، بدلًا من الانشغال بمحتوى يضر بالقيم ويؤخر مسيرة التقدم.

إعادة تقييم الأداء الإعلامي

وقالت عضو لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، النائبة نشوة عقل، أن ظاهرة “الترند” لم تعد مجرد انعكاس لتفضيلات الجمهور، بل تحولت إلى محرك رئيسي يوجه أجندة عدد كبير من المؤسسات الإعلامية في ظل اعتمادها المتزايد على مؤشرات محركات البحث وتقنيات تحسين الظهور “SEO”، والتي غالبًا ما تدفع نحو المحتوى الأكثر إثارة وسلبية، باعتباره الأكثر جذبًا للتفاعل والمشاهدات.

عضو لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، ال
عضو لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، النائبة نشوة عقل

وأوضحت عقل، في تصريحات لـ“تليجراف مصر”، أن هناك توجهًا واضحًا داخل مجلس النواب، خاصة في لجنة الإعلام والثقافة والآثار لإعادة تقييم الأداء الإعلامي لا سيما على المنصات الرقمية بالتعاون مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في محاولة لوضع أطر أكثر انضباطًا تحكم هذا المجال، الذي بات مفتوحًا إلى حد كبير دون رقابة كافية.

وأكدت عقل أن لجنة الإعلام تتابع بشكل مستمر الجهود المبذولة من قبل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين لضبط الأداء الإعلامي، سواء من خلال الرقابة أو وضع ضوابط مهنية، مشيرة إلى أن هذه المتابعة تركز بشكل خاص على البيئة الرقمية، التي تتسم بسرعة الانتشار وصعوبة السيطرة.

وشددت على أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 رغم أهميته يحتاج إلى تحديثات مستمرة لمواكبة التطور التكنولوجي المتسارع، خاصة في ظل ظهور منصات جديدة وأنماط مختلفة من صناعة المحتوى، لم تكن موجودة وقت صدور القانون.

حرية تداول المعلومات

وأوضحت أن من بين التحديات الرئيسية التي تواجه المنظومة الإعلامية حاليًا هي انتشار المواقع غير المرخصة، إلى جانب الحسابات الشخصية التي يديرها “مؤثرون” يتابعهم ملايين المستخدمين، والذين يمارسون دورًا إعلاميًا فعليًا دون أن يكونوا خاضعين لأي شكل من أشكال المساءلة أو الالتزام بالمعايير المهنية.

وكشفت وجود مقترحات تشريعية يجري مناقشتها، تستهدف مواجهة هذه الظواهر، من بينها تجريم التربح من نشر محتوى ينتهك الخصوصية أو يعتمد على عرض مشاهد صادمة، موضحة أن هذه المقترحات قد تتضمن إجراءات مثل مصادرة الأرباح الناتجة عن هذا النوع من المحتوى، إلى جانب فرض عقوبات جنائية تحقق الردع اللازم.

وأشارت إلى أن مبدأ حرية تداول المعلومات يمثل أحد الحلول الجوهرية لمواجهة الشائعات رغم عدم تفعيله بشكل كامل حتى الآن، مؤكدة أن العمل جارٍ نحو إقراره في صورة قانون يضمن إتاحة المعلومات من مصادرها الرسمية بشكل سريع وشفاف بما يسهم في تقليل الاعتماد على مصادر غير موثوقة.

الجرائم أصبحت أكثر حدة

قالت عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، المحامية دينا المقدم، إن طريقة تناول القضايا الحساسة في وسائل الإعلام، خاصة الجرائم الأسرية والانتهاكات الأخلاقية أصبحت تمثل تحديًا حقيقيًا في ظل تزايد الاعتماد على “الترند” كمعيار رئيسي في التغطية.

وأضافت المقدم لـ“تليجراف مصر”، أن المجتمع شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرًا ملحوظًا في طبيعة الجرائم حيث أصبحت أكثر حدة وجرأة، مرجعة ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها الجهل، والضغوط الاقتصادية، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب عدم احترام القانون وضعف الوعي الحقيقي بالقيم، وهو ما انعكس على نظرة الأفراد لتلك الجرائم، التي لم تعد تثير نفس القدر من الصدمة كما في السابق.

وأوضحت أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ التغطية الصحفية لهذه الوقائع، مؤكدة أن من حق وسائل الإعلام تناولها في إطار دورها التوعوي لكن المشكلة الأساسية تتعلق بطريقة عرضها، مشددة على ضرورة أن تتجاوز التغطية مجرد نقل الحدث أو السعي وراء التفاصيل المثيرة، إلى تقديم معالجة إعلامية حقيقية تفسر الأسباب وتضع الحلول.

WhatsApp Image 2026-04-14 at 7.44.52 PM
 المحامية دينا المقدم

تطوير الأداء الإعلامي

وأكدت أن دور الصحفي لا يقتصر على نقل الوقائع بل يمتد إلى التفسير والتوعية من خلال تحليل الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة بالجريمة والاستعانة بآراء المتخصصين، بما يسهم في تقديم محتوى يثري وعي الجمهور بدلًا من الاكتفاء بإثارة الجدل.

وأشارت إلى أن وسائل الإعلام تلعب دورًا رئيسيًا في صناعة “الترند” وليس فقط متابعته، موضحة أن تزامن تناول عدة منصات إعلامية لنفس القضية في وقت واحد هو ما يحولها إلى قضية رأي عام ما يفرض مسؤولية كبيرة على المؤسسات الإعلامية في كيفية إدارة هذا الزخم.

وفيما يتعلق بإمكانية تعديل القوانين، أكدت المقدم أن المشكلة لا تتطلب بالضرورة تدخلًا تشريعيًا جديدًا بقدر ما تحتاج إلى تطوير في الأداء الإعلامي، لافتة إلى أن القوانين الحالية توفر إطارًا مناسبًا لكن التحدي الحقيقي يكمن في الالتزام بالمعايير المهنية وتطبيقها بشكل فعّال.

تحقيق الترند دون ضوابط مهنية

وفي وقت سابق، كان نقيب الصحفيين، خالد البلشي، تحدث عن ظاهرة الترند التي تسللت إلى صاحبة الجلالة حيث قال عبر حسابه الرسمي بمنصة “فيسبوك”: “لا تكونوا، بتسابقكم على تحقيق الترند دون ضوابط مهنية، سببًا في زيادة القيود على عملنا المهني، لتصدر قرارات الحظر محمية بغضب الناس من التناول غير المهني لبعض التفاصيل، ويتم تبرير فرض القيود على النشر، بأخطائنا المهنية وأخطاء التغطية غير الملتزمة بالمعايير، فيفقد المجتمع ناقوس الخطر الذي يحذر من تفاقم المشكلات ويكشف مكامن المرض فيه، فنحن لا نخلق الحدث ولكن مسؤوليتنا أن نتعامل معه بالقواعد المهنية التي تعلمناها”.

وتابع: "لندرك جميعًا أن مهنتنا والتزامنا بالقواعد المهنية هما طوق نجاتنا، وطوق نجاة المجتمع، وأن التوسع في قرارات الحظر إذا ما غابت التغطية المهنية لن يدفع ثمنه إلا المجتمع في ظل حالة السيولة والتدفق الهائل للمعلومات من كافة الأرجاء، ومنها من لم ولن تطاله هذه القرارات فنفقد سلاح للمواجهة قد نحتاجه غدًا".

_129033953_333259059_722484603000090_9173542672325
نقيب الصحفيين، خالد البلشي

اقرأ أيضًا:

من أجل "الترند".. ضبط صاحب فيديو "حرق الموتى" بأسوان

search