الإثنين، 20 أبريل 2026

05:38 ص

الجمعية العامة للأمم المتحدة وإعلان حل الدولتين

يمثل اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعلان نيويورك بشأن تسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وحل الدولتين في 12 سبتمبر 2025 محطة هامة في مسار القضية الفلسطينية، إذ جاء ليعيد التأكيد على أن الجماعة الدولية لا تزال ترى في حل الدولتين الإطار الأكثر مشروعية وعدالة لإنهاء الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي. فلقد كشف هذا الإعلان الذي صوتت عليه الجميعة العامة بأغلبية ساحقة، عن اتساع دائرة الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وكشف- كذلك- عن الموقف الدولي الرافض لاستمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني، الذي بات يشكل تهديدًا للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء.

   ومما هو جدير بالملاحظة، أن هذه الإعلان كان نتاجًا للمؤتمر الدولي رفيع المستوى الذي عقد في المقر الرئيسي للأمم المتحدة بنيويورك برئاسة مشتركة من المملكة العربية السعودية وفرنسا في يوليو 2025، حول "التسوية السلمية لقضية فلسطين وتطبيق حل الدولتين"، وقد تضمن أبعادًا عملية واضحة؛ فقد دعا إلى وقف الحرب في غزة، ونقل إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية، وتفعيل حل الدولتين لتحقيق السلام والاستقرار والتكامل الإقليمي من أجل مصلحة كل شعوب المنطقة، وتوحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية، وإنشاء لجنة إدارية تعمل في غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية لفترة مؤقتة وقصيرة

   والحق، إن هذا الطرح يمنح الفلسطينيين مظلة حماية جديدة على المستوى الدولي، ويقطع الطريق على أي محاولات لفرض حلول بديلة مثل التهجير أو الإدارة العسكرية المباشرة، مما يرسخ بدوره مبدأ ضرورة بقاء الفلسطينيين على أرضهم مع تمتعهم بحقوقهم غير القابلة للتصرف. ذلك أنه حظر بصورة قاطعة لا لبس فيها، مسألة التهجير القسري والاستيطان بوصفهما يمثلان انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. وهذا بطبيعة الحال، يعزز حجج الجانب الفلسطيني في تحريك دعاوى أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية إذا توافرت الشروط اللازمة لذلك، ويشكل هذا بعدًا وقائيًا ضد أي محاولات لتبرير سياسات الاحتلال. 

    ومن ناحية أخرى، يعيد الإعلان التأكيد على التزامات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بوجوب احترام وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية السابقة ذات الصلة بفلسطين. وهذا يعني، من بين جملة أمور، أن أي دولة تدعم الاحتلال أو تغطي على انتهاكاته قد تصبح عرضة للانتقاد أو حتى الملاحقة القضائية، مما يشكل أداة ضغط قانونية ودبلوماسية يمكن استثمارها لوقف السياسات الإسرائيلية المخالفة للقانون الدولي. إلى جانب ذلك، يحمل الإعلان أهمية خاصة من الناحية الإنسانية، إذ شدد على ضرورة حماية المدنيين الفلسطينيين في غزة، ووقف العمليات العسكرية التي تسببت في خسائر بشرية كارثية بسبب سياسات الحصار والتجويع. ودعم الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وضمان إيصال المساعدات بشكل يتلاءم مع القانون الدولي الإنساني، مع ضمان تقيد إسرائيل بالتزاماتها القانونية في هذا الإطار باعتبارها السلطة القائمة بالاحتلال، والتي على رأسها السماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وبدون أي تمييز.

    أضف إلى ذلك، أن هذا الإعلان يكتسب أهمية قصوى لأنه يعزز الموقف العربي الرافض للتوطين أو التهجير، من خلال وجود سند أممي واضح يمنع أي محاولات لفرض حلول تتعارض مع الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. علاوة على أن الإعلان يفتح الباب أمام إمكانية توسيع التعاون الإقليمي لإحياء مبادرة السلام العربية، وتعزيز دور مصر كوسيط مركزي في هذه القضية. فهو يمنح القاهرة فرصة لتوظيف ثقلها الدبلوماسي في بناء تحالفات مع القوى الدولية والإقليمية من أجل تحويل هذا الإعلان إلى خطوات عملية، سواء عبر إعادة إعمار غزة أو من خلال الضغط لإحياء المفاوضات على أسس عادلة. 

كما يعيد الإعلان التأكيد على مكانة الأمم المتحدة كمنصة شرعية للدفاع عن حقوق الشعوب، فقوة الإجماع الذي تحقق في هذا الإعلان  يمنحه قيمة سياسية كبيرة تجعل من الصعب تجاهله، وهذا يشكل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي وقدرته على فرض احترام القانون والعدالة. كذلك، قد يدفع الإعلان العديد من الدول الغربية المترددة إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، لا سيما في ظل تصاعد الضغوط الشعبية في أوروبا وأمريكا اللاتينية. وهذا من شأنه أن يخلق زخمًا دبلوماسيًا جديدًا، ويزيد من عزلة إسرائيل سياسيًا، ويمنح الفلسطينيين فرصًا أكبر للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية. وليس أدل على ذلك، من قيام كل من بريطانيا، وأستراليا، وكندا، بالاعتراف رسميًا بالدولة الفلسطينية. والحق أن أي اعتراف جديد بفلسطين سوف يزيد من الشرعية الدولية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وسوف يقف حائلًا أمام أي محاولات للتهجير القسري أو حتى الطوعي. 

    ومن نافلة البيان، أن من أبرز تداعيات هذا الإعلان هو زيادة الضغط الدولي على إسرائيل، ذلك أنه أعطى شرعية دولية قوية لمطلب إنهاء الاحتلال، وأعاد الزخم حول إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود ما قبل 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مما يعكس رفضًا جماعيًا من الجماعة الدولية لسياسات التوسع الاستيطاني والتهجير، ويضع إسرائيل في موقف سياسي معزول يصعب تبريره أمام الرأي العام العالمي. ومن الناحية العملية، سيترتب على هذا الإعلان تكثيف الضغوط الدبلوماسية على إسرائيل من دول كبرى ومؤسسات إقليمية مثل: الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي. 

وهذه الضغوط قد تأخذ شكل مشروطية في العلاقات الاقتصادية أو في مواقف سياسية داخل الأمم المتحدة، ما يقلل من حرية إسرائيل في التصرف بشكل أحادي. هذا ويشكل الإعلان- كذلك- نقطة انطلاق قانونية وسياسية جديدة للفلسطينيين، إذ يوفر لهم سندًا أمميًا يرفع من مستوى مطالبهم أمام مؤسسات دولية مثل محكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الإنسان. وهو يعزز شرعية المطالبة بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة ويدعم الجهود نحو الاعتراف الدولي الأوسع بالدولة الفلسطينية.

    غير أن احتمال استخدام الولايات المتحدة أو أي عضو دائم في مجلس الأمن لحق النقض (الفيتو) من أبرز المخاطر التي قد تواجه تنفيذ إعلان حل الدولتين، وهذا الاحتمال يعكس طبيعة التوازنات الدولية حيث غالبًا ما يوظف الفيتو لحماية حلفاء أو مصالح استراتيجية معينة، مما قد يؤدي إلى تعطيل القرارات الملزمة أو وقف أي تفويض ببعثات حفظ سلام أو آليات مراقبة قوية أو حتى فرض جزاءات على الدول المارقة التي تخالف التزاماتها الدولية. وهذه العرقلة تفتح الباب أمام استمرار الجمود السياسي وتضعف مصداقية النظام الدولي في التعامل مع القضية الفلسطينية. 

  وللتعامل مع هذا الخطر، يمكن للدول الداعمة للقضية الفلسطينية أن تلجأ إلى الآليات التي تملكها الجمعية العامة مثل "قرار الاتحاد من أجل السلام" الذي قد يسمح بتجاوز عرقلة مجلس الأمن عبر حشد توصيات ملزمة سياسيًا ومؤثرة في بعض الأحيان. كما أن الحشد الإقليمي والثنائي يمكن أن يُحول الفيتو إلى عبء سياسي على الدولة التي استخدمته. كما يعد قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية وسيلة فعالة أخرى لتعزيز الشرعية القانونية الدولية، بما يجعل عجز مجلس الأمن غير كافٍ لوقف مسار التنفيذ في هذه الحالة

وقد يكون من بين العراقيل- أيضًا- التي تحول دون تنفيذ هذا الإعلان، محاولة إسرائيل الالتفاف عليه عبر فرض وقائع جديدة على الأرض، مثل توسيع الاستيطان، واستمرار العمليات العسكرية، أو منع عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. وقد تهدف هذه الإجراءات الأحادية إلى تقويض الإعلان وإظهاره كخطوة غير واقعية أو غير قابلة للتطبيق، مما يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية عادلة ويُدخل المنطقة في دوامة جديدة من التوتر. وفي الحقيقة فإن مواجهة هذا السيناريو تتطلب تصعيدًا دبلوماسيًا منظمًا عبر الضغط متعدد المستويات، سواء داخل المؤسسات الأممية أو من خلال العلاقات الثنائية مع الدول الكبرى. إذ يمكن للدول الداعمة ربط أي تعاون اقتصادي أو أمني مع إسرائيل بشروط واضحة تتعلق بتنفيذ الإعلان. 

كذلك، فإن فرض جزاءات مشروطة أو إجراءات تقييدية من بعض الدول الأوروبية أو الهيئات الدولية قد يُشكل وسيلة ردع لإجبار إسرائيل على إعادة النظر في سياساتها. هذا وقد بدأت بعض الدول في تبني هذا الإجراء بالفعل مثل بعض دول الجنوب العالمي كبوليفيا، وكولومبيا، وإندونيسيا، وليبيا، والعراق، وماليزيا، ونامبيا، وجنوب أفريقيا، التي وقعت على بيانًا ختاميًا صادر عن مؤتمر مجموعة لاهاي لدعم فلسطين في يوليو 2025، فرضت بموجبه تدابير عليها منها وقف تصدير الأسلحة، ومنع السفن المحملة بالأسلحة من المرور عبر موانئها، إلى جانب تعليق بعض الدول الأوروبية توريد الأسلحة، أو تراخيص التصدير لإسرائيل، ومن بين هذه الدول فرنسا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة.

search