الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
09:07 م
الولادة القيصرية
لم يعد الجدل حول الولادة القيصرية في مصر مجرد نقاش طبي، بل أصبح قضية صحية ومجتمعية معقدة، في ظل تصاعد معدلاتها بشكل لافت خلال السنوات الماضية، ما يطرح تساؤلات بشأن طبيعة هذا التحول، والعوامل التي تقف وراءه ومدى تأثيره على مستقبل الرعاية الصحية.
وفي الوقت الذي تتصاعد معدلات الولادة القيصرية، كشفت حملات رقابية لوزارة الصحة عن مخالفات جسيمة داخل عدد من مستشفيات النساء والتوليد الخاصة، ما أعاد فتح ملف "بيزنس الولادة" مرة أخرى إلى الواجهة.
وأظهرت نتائج الحملات غياب تطبيق تصنيف "روبسون" العالمي، إلى جانب عدم استخدام "البارتوجرام"، وهو الرسم البياني المستخدم لمتابعة تطور الولادة الطبيعية وضمان سلامتها، ما يُعد من الأدوات الأساسية لتقليل اللجوء غير المبرر إلى العمليات القيصرية.
كما كشفت البيانات أن نسبة الولادات القيصرية بين السيدات البكريات وصلت إلى نحو 82%، وهي نسبة وصفها المتخصصون بأنها تستوجب مراجعة فورية.
وتواصلت “تليجراف مصر” مع عدد من السيدات اللواتي خضعن للولادة القيصرية، لتكشفن عن تجاربهن معها، وقالت (ر.م) إنها كانت تفضل الولادة الطبيعية خوفًا من التدخل الجراحي، إلا أن الظروف الطبية فرضت عليها اللجوء إلى القيصرية.
وأوضحت قائلة: "كنت عايزة أولد طبيعي، لكن حصلت مشكلة في المياه حوالين الجنين، والدكاترة قرروا القيصري، أنا مكنتش صاحبة القرار هما اللي حددوا، وولدت مرتين قيصري".
وروت أخرى تدعى (أ.خ) تجربتها مع الولادة القيصرية، مشيرة إلى أنها لم تكن تعرف مسبقًا نوع الولادة التي ستخضع لها، قائلة: "كنت بدعي ربنا يختار لي الخير، وجالي طلق طبيعي، لكن في الآخر دخلت عمليات قيصري".
وأوضحت أنها لم تشعر بأي تعب أثناء العملية بفضل البنج النصفي، لكن المعاناة الحقيقية بدأت بعد خروجها من غرفة العمليات، إذ قالت: "أول ما وقفت على رجلي حسيت بألم شديد جدًا، والجرح فضل معايا فترة طويلة وصل لشهور، خصوصًا مع الحر".
وأوضحت أن تأثير القيصرية لم يتوقف عند فترة ما بعد الولادة مباشرة، بل امتد لفترة أطول، مشيرة إلى عدم قدرتها على التحرك بسلاسة بجانب عدم تحملها آلام الجرح التي استمرت لمدة كبيرة، وقالت: "فضلت فترة كبيرة لحد ما تعافيت، وده فرق كبير عن الولادة الطبيعية اللي ألمها بيكون في وقتها بس".
ومن جانبه، حذر أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب جامعة القاهرة الدكتور عمرو حسن في تصريحات خاصة لـ“تليجراف مصر”، من الارتفاع غير المسبوق في معدلات الولادة القيصرية في مصر، مؤكدًا أنها لم تعد مجرد تدخل طبي يُستخدم عند الضرورة، بل تحولت إلى نمط شائع يفرض نفسه على مشهد الولادة.
وقال حسن إن الزيادة الكبيرة في نسب القيصرية تطرح تساؤلات مهمة بشأن أسبابها الحقيقية، خاصة أنها لا ترتبط فقط بعوامل طبية، بل تمتد لتشمل أبعادًا اجتماعية.
وأوضح أن بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية تكشف عن ارتفاع كبير في معدلات الولادة القيصرية، حيث بلغت نحو 10% في عام 2000، قبل أن ترتفع إلى 27.6% في 2008، ثم 51.8% في 2014، وصولًا إلى 72% في عام 2021.
وأضاف: "بهذا الشكل تكون مصر قد سجلت زيادة تتجاوز 7 أضعاف خلال نحو عقدين لتتصدر المعدلات عالميًا، بعد أن كانت من الدول الأقل اعتمادًا على القيصرية في السابق".

وقارن الدكتور عمرو حسن بين معدلات القيصرية في مصر والولايات المتحدة، إذ قال إن معدلات الولادة القيصرية في الولايات المتحدة ظلت شبه مستقرة، حيث سجلت 23% عام 2000، و32.8% في 2008، ثم 32.2% في 2014، و32.1% في 2021.
وتابع: “الفارق هنا واضح فبينما ارتفعت النسبة في مصر بنحو 62 نقطة مئوية، لم تتجاوز الزيادة في الولايات المتحدة 9 نقاط، ما يشير إلى اختلاف في السياسات الصحية المنظمة لهذا الملف”.
وأكد حسن أن ارتفاع معدلات القيصرية في مصر لا يمكن تفسيره طبيًا فقط، موضحًا أن هناك عدة عوامل متداخلة، من بينها:
وأضاف أن هناك أيضًا فجوة في التدريب على التوليد الطبيعي لدى بعض الأطباء، إلى جانب ضغوط قانونية تدفع البعض لاختيار القيصرية كخيار أكثر أمانًا مهنيًا.
وشدد الدكتور عمرو حسن على أن المشكلة ليست في العملية نفسها، بل في الإفراط في استخدامها دون مبرر طبي، مؤكدًا أن القيصرية تظل تدخلًا مهمًا في حالات معينة لإنقاذ حياة الأم والجنين، لكنها لا يجب أن تتحول إلى الخيار الأول.
وأوضح حسن أن بعض الدول نجحت في الحد من هذه الظاهرة عبر تطبيق إجراءات واضحة، مثل:
وأكد أن هذه الإجراءات ساهمت في تحقيق استقرار نسبي في معدلات القيصرية، كما هو الحال في الولايات المتحدة
ورغم وضوح العوامل الطبية وراء هذه الظاهرة، فمن الضروري التطرق إلى البعد النفسي الذي يلعب دورًا خفيًا لكنه مؤثر في توجيه اختيارات الأمهات.
وأوضحت استشاري العلاج النفسي الأسري الدكتورة إيمان عبدالله، أن انتشار الولادة القيصرية في مصر يرجع جزء كبير منها للعامل النفسي، الذي يلعب دورًا محوريًا في توجيه قرارات النساء.
وقالت إيمان في تصريحات خاصة لـ"تليجراف مصر"، إن الخوف من الألم يُعد أحد أقوى الدوافع التي تدفع المرأة لاختيار الولادة القيصرية، خاصة في ظل ما يتداول من قصص وتجارب سلبية عن الولادة الطبيعية.

وأضافت أن هذا الخوف لا يعكس ضعفًا أو تخليًا عن الفطرة، بل هو آلية دفاع نفسي، تلجأ إليها المرأة لتجنب تجربة تتوقع أن تكون مؤلمة أو خطرة.
وأوضحت أن ما يحدث حاليًا يمكن وصفه بـ"عدوى نفسية اجتماعية"، حيث تنتقل المخاوف من امرأة إلى أخرى عبر القصص المتداولة، ما يؤدي إلى ترسيخ صورة ذهنية سلبية عن الولادة الطبيعية، مقابل تقديم القيصرية كخيار أكثر أمانًا وراحة.
وتابعت: "تكرار الحديث عن تجارب سلبية أو تضخيم مخاطر الولادة الطبيعية، يساهم في تشكيل وعي جمعي يجعل القيصرية تبدو الخيار الطبيعي، رغم أنها في الأصل تدخل جراحي".
وأشارت إلى أن التجارب الشخصية تلعب دورًا كبيرًا في اتخاذ القرار، موضحة أن المرأة التي مرت بتجربة ولادة صعبة، أو سمعت عن حالات مؤلمة أو صادمة تصبح أكثر ميلًا لتجنب الولادة الطبيعية.
وأكدت الدكتورة إيمان عبدالله أن نقص التوعية يمثل عاملًا أساسيًا في تفاقم الظاهرة، قائلة إن كثيرًا من النساء لا يدركن حجم التطور الذي شهدته الولادة الطبيعية، سواء من حيث وسائل تسكين الألم أو أساليب الدعم الطبي.
واختتمت حديثها بالتأكيد على ضرورة إدماج الدعم النفسي ضمن رعاية الحوامل، قائلة: التعامل مع الظاهرة لا يقتصر على الجانب الطبي فقط، بل يجب أن يشمل برامج دعم نفسي وتأهيل للمرأة خلال فترة الحمل، لمساعدتها على اتخاذ قرار واعي ومبني على المعرفة وليس الخوف.
اقرأ أيضًا:
"بيزنس الولادة القيصرية".. نتائج حملات الرقابة على المستشفيات الخاصة 2026
عمرو حسن: الولادة القيصرية ارتفعت من 10% سنة 2000 إلى 72% حاليًا
20 أكتوبر 2026 07:56 م
20 أكتوبر 2026 11:40 م
19 أكتوبر 2026 05:02 م
18 أكتوبر 2026 04:12 م
17 أكتوبر 2026 01:36 م
أكثر الكلمات انتشاراً