الإثنين، 20 أبريل 2026

10:28 م

مصطفى صلاح

خريجو التعليم المدمج والمفتوح بين الوعود والعدالة الغائبة

في مشهد يعكس واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل منظومة التعليم العالي، تعود أزمة خريجي التعليم المدمج والتعليم المفتوح إلى واجهة النقاش البرلماني من جديد، حيث تستعد لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، برئاسة النائب أشرف الشيحي، لمناقشة طلب الإحاطة المقدم من النائبة نهال أبو وافية، في اجتماع يُعقد الأربعاء المقبل، وسط حالة من الترقب والانتظار تمتد لآلاف الخريجين الذين يشعرون أن سنواتهم الدراسية ما زالت معلّقة بين الاعتراف الكامل والتعثر في التنفيذ.

القضية في ظاهرها تبدو قانونية وإجرائية، لكنها في عمقها إنسانية بامتياز. فهؤلاء الخريجون لم يدخلوا تجربة التعليم المفتوح أو المدمج كخيار ثانوي، بل كفرصة حقيقية لبناء مستقبل، في وقت كانت فيه الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو حتى العمرية لا تسمح بالالتحاق بالتعليم التقليدي. كانوا يبحثون عن باب، فطرقوه بكل ما يملكون من جهد، ونجحوا في اجتياز سنوات دراسية كاملة، ليجدوا أنفسهم لاحقًا أمام جدل لا ينتهي حول مسميات شهاداتهم، وكأن ما بذلوه يحتاج إلى تفسير إضافي.

تؤكد النائبة نهال أبو وافية في طلب الإحاطة أن الأزمة الأساسية تتمثل في وجود أحكام قضائية نهائية وباتّة صدرت لصالح عدد من الخريجين، تقضي بمنحهم شهادة البكالوريوس أو الليسانس دون إضافة أي توصيفات مثل «مهني» أو «مدمج». هذه الأحكام، التي من المفترض أن تكون كلمة الفصل، لم تُنفّذ حتى الآن من جانب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو ما فتح الباب أمام حالة من الجدل والاستياء، ليس فقط داخل أوساط الخريجين، بل داخل الرأي العام أيضًا.

المفارقة المؤلمة في هذه القضية أن العدالة هنا لم تغب نظريًا، بل حضرت في شكل أحكام قضائية واضحة، لكنها توقفت عند مرحلة التنفيذ. وكأن الحكم وُلد كاملًا، لكنه لم يجد الطريق إلى الواقع. وهذا التعثر يطرح أسئلة ثقيلة تتجاوز حدود الملف ذاته: ماذا يعني أن يصدر حكم نهائي ولا يُنفذ؟ وكيف يشعر مواطن حين يرى حقه ثابتًا على الورق، لكنه غير موجود في الحياة اليومية؟

خلف هذه الأسئلة تقف آلاف القصص الإنسانية. خريجون تقدموا لوظائف وتم استبعادهم بسبب مسمى الشهادة. آخرون توقفت ترقياتهم عند نقطة معينة، لا لضعف في كفاءتهم، بل بسبب توصيف إداري على ورقة. وهناك من فقد فرصًا كاملة في سوق العمل، فقط لأن الجهة التي تقف أمامه لا ترى في شهادته ما يكفي من «الاعتراف الرسمي». وهكذا تتحول التفاصيل الإدارية إلى حدود فاصلة بين فرصة ضائعة وأخرى مؤجلة.

ورغم أن القضية تبدو إدارية في ظاهرها، إلا أنها تمس فكرة العدالة التعليمية ذاتها. فالتعليم، في جوهره، ليس مجرد نظام أكاديمي، بل عقد اجتماعي يقوم على الاعتراف بجهد الطالب، بغض النظر عن المسار الذي سلكه. وعندما يُكافأ هذا الجهد بالإنكار أو التأجيل، تصبح الأزمة أعمق من مجرد خلاف قانوني.
في هذا السياق، يكتسب اجتماع لجنة التعليم والبحث العلمي أهمية خاصة، ليس فقط لأنه يناقش طلب إحاطة، بل لأنه يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لملف ظل لسنوات عالقًا بين الجهات المختلفة. من المتوقع أن تستمع اللجنة إلى ممثلي وزارة التعليم العالي، إلى جانب عرض وجهات النظر القانونية والإدارية، في محاولة لفهم أسباب عدم التنفيذ، وهل هي عقبات تنظيمية، أم إشكاليات تفسير، أم غياب آليات واضحة للتطبيق.

لكن ما يترقبه الخريجون لا يتعلق فقط بالتفسيرات، بل بالنتائج. فبالنسبة لهم، لم تعد البيانات أو الوعود كافية. ما ينتظرونه هو خطوة عملية تعيد الاعتبار لأحكام صدرت بالفعل، وتضع حدًا لحالة الارتباك التي عاشوها لسنوات طويلة، بين مؤهل معترف به في القانون، ومؤهل مشكوك فيه في الواقع العملي.

اللافت في هذه الأزمة أن آثارها لا تتوقف عند الفرد، بل تمتد إلى المجتمع كله. فكل خريج متضرر هو قصة فقدت جزءًا من مسارها المهني، وكل فرصة عمل ضائعة تعني فجوة في كفاءة سوق العمل ذاته. ومع تراكم هذه الحالات، يصبح السؤال أكبر: هل يمكن لنظام تعليمي أن يستمر في أداء دوره بكفاءة إذا ظل جزء من مخرجاته غير محسوم الوضع؟

ومع ذلك، لا تزال هناك نافذة أمل يراها المتضررون في هذا الاجتماع. فهم لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بتنفيذ ما صدر بالفعل من أحكام، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني. بالنسبة لهم، العدالة هنا ليست فكرة نظرية، بل حق بسيط: أن تُقرأ شهادتهم كما هي، دون إضافات أو تأويلات تقلل من قيمتها.

ومع اقتراب موعد المناقشة، يبقى الأمل قائمًا في أن يتحول هذا الملف من حالة انتظار طويلة إلى بداية حل حقيقي، يعيد التوازن بين القانون والتطبيق، ويضع نهاية لسنوات من القلق وعدم اليقين. فبعض القضايا لا تحتاج إلى مزيد من النقاش بقدر ما تحتاج إلى قرار يُعيد الأمور إلى طبيعتها، ويمنح أصحابها ما يستحقونه منذ البداية: اعترافًا كاملًا، وعدالة لا تتأخر في الوصول.

search