السبت، 25 أبريل 2026

10:45 م

د. حسام ولاء عبد العظيم

حوكمة الإدارة في الهيئات الرياضية.. من إدارة الفرد إلى الإدارة المؤسسية

تُعد طريقة إدارة الهيئات الرياضية - سواء كانت أندية أو اتحادات رياضية - أحد أهم المحددات الحقيقية لنجاحها واستدامتها، وبينما لا تزال بعض المؤسسات الرياضية تعتمد على نمط الإدارة الفردية، تتجه المنظمات الرياضية المتقدمة نحو الإدارة المؤسسية القائمة على الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي، ويُظهر هذا التباين فجوة واضحة في الأداء والشفافية والقدرة على المنافسة.

حيث تنشأ الإدارة الفردية في الهيئات الرياضية على تمركز السلطة في يد شخص واحد، غالبًا ما يكون رئيس النادي أو الاتحاد، بحيث تُصدر القرارات مرهونة برؤيته الشخصية وخبراته الفردية، وهذا النموذج قد يُحقق سرعة في اتخاذ القرار فقط - خاصة في وقت الأزمات - إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة أبرزها غياب الاستدامة وضعف المؤسسية واعتماد الكيان بالكامل على بقاء هذا الفرد، حيث في بعض الأندية الرياضية المصرية والعربية نشهد حالات نجاح مؤقتة مرتبطة بشخصيات قيادية قوية إداريًا، لكنها سرعان ما تراجعت بمجرد رحيل تلك الشخصيات، وهذا ما يكشف هشاشة هذا النموذج.

وفي المقابل تعتمد الإدارة المؤسسية على توزيع السلطات والصلاحيات داخل هيكل تنظيمي واضح يتضمن مجلس إدارة ولجانًا متخصصة وإدارة تنفيذية محترفة، وهنا لا يُنظر إلى المؤسسة كامتداد لشخص، بل كيان مستقل له سياسات وإجراءات ونظم عمل واضحة، وهذا النموذج يعزز استمرارية الأداء المحترف، ويقلل من المخاطر المرتبطة بالإدارة المبنية على الأفراد، كما يسمح ببناء قدرات مؤسسية قادرة على التطور والتكيف مع التغيرات المتسارعة، ويمكن ملاحظة ذلك في العديد من الأندية الأوروبية التي تعمل وفق منظومة مؤسسية متكاملة، حيث يتم الفصل بين الملكية والإدارة (وفقًا لطبيعتها)، وتُدار العمليات من خلال فرق عمل متخصصة تعتمد على البيانات والتحليل.

وتبرز الحوكمة كعنصر محوري في التحول من الإدارة الفردية إلى المؤسسية، وتعني الحوكمة في الهيئات الرياضية وجود إطار من القواعد والضوابط التي تنظم العلاقة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية وأصحاب المصلحة، بما يضمن تحقيق مبادئها مثل الشفافية والاستقلالية والمساءلة والعدالة وتكافؤ الفرص والنزاهة وتجنب تضارب المصالح، وتُتبع المعايير الضامنة لتحقيق تلك المبادئ في كل قرار أو إجراء، بينما في الإدارة المعتمدة على الفرد غالبًا ما تغيب هذه الضوابط، أو تُطبق بشكل شكلي فقط، مما يفتح الباب أمام تضارب المصالح وسوء استخدام الموارد وضعف الرقابة، أما في الإدارة المؤسسية، فإن الحوكمة تُعد نظامًا متكاملًا يضمن اتخاذ قرارات رشيدة مبنية على معايير وبيانات وتحليلات واضحة، ويُخضع جميع الأطراف للمساءلة.

وبالتطبيق على الاتحادات الرياضية، نجد أن ضعف الحوكمة في بعض الاتحادات يؤدي إلى أزمات متكررة، سواء في إدارة المسابقات أو التحكيم أو حتى في الشؤون الإدارية والمالية، وفي المقابل فإن الاتحادات التي تطبق مبادئ الحوكمة تتمتع بدرجة أعلى من الاستقرار والثقة، ويُعد ما حدث في الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بعد أزمة 2015 مثالًا واضحًا، حيث أدت فضائح الفساد إلى إطلاق برنامج إصلاح شامل ركّز على تعزيز الحوكمة وتحديد مدد المناصب وزيادة الشفافية في اتخاذ القرار.

وتُعتبر الإدارة الاستراتيجية البعد العملي الذي يُترجم من خلاله الفكر المؤسسي إلى نتائج ملموسة، حيث في الإدارة الفردية غالبًا ما تكون القرارات قصيرة الأجل ومرتبطة بردود الأفعال دون وجود رؤية طويلة المدى، في حين تعتمد الإدارة المؤسسية على تخطيط استراتيجي واضح يتضمن تحديد الرؤية والرسالة والأهداف الاستراتيجية وتحليل البيئة الداخلية والخارجية باستخدام أدوات مثل (SWOT - PESTLE)، ثم وضع خطط تنفيذية قابلة للقياس والتقييم وفقًا لمؤشرات أداء كمية واضحة ومحددة مسبقًا.

وعلى مستوى الأندية الرياضية، يظهر هذا الفرق بوضوح في إدارة الموارد والاستثمار، حيث النادي الذي يُدار بشكل فردي قد يركز على تحقيق بطولات سريعة من خلال صفقات مكلفة دون دراسة جدوى، بينما يتبنى النادي المؤسسي استراتيجية متكاملة تشمل تطوير قطاع الناشئين وتنويع مصادر الإيرادات وبناء علامة تجارية قوية.

كما أن الإدارة المؤسسية تُعزز من استخدام نظم دعم القرار (DSS) والتحول الرقمي الكامل، حيث تعتمد القرارات على البيانات والتحليل، وليس الحدس الشخصي فقط، وهذا ينعكس على جودة الأداء في مجالات مثل التسويق الرياضي وإدارة الجماهير وتحليل الأداء الفني، وفي المقابل تظل الإدارة الفردية أسيرة الخبرات الشخصية، ما يحد من قدرتها على مواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة.

وتمثل عملية التحول من الإدارة الفردية إلى المؤسسية تحديًا حقيقيًا، يتطلب إعادة بناء الثقافة التنظيمية داخل الأندية والاتحادات، وتطوير التشريعات واللوائح، وتأهيل الكوادر الإدارية، وتبني معايير الحوكمة المعمول بها في المنظمات الرياضية الناجحة عالميًا، كما يتطلب الأمر وجود إرادة حقيقية من القيادات الرياضية للانتقال من منطق "الشخص القائد" إلى "النظام القائد"، حيث تكون المؤسسة هي الضامن للاستدامة، وليس الأفراد.

*أستاذ إدارة الرياضة بجامعة العاصمة

search