الإثنين، 04 مايو 2026

01:39 ص

هاني شاكر.. رحيل المحارب الأنيق

محمد صالح

محمد صالح

رحيل الفنان هاني شاكر، لا يمكن أبدًا أن يوصف بمجرد فقدان قيمة فنية كبيرة، ولكنه نهاية رحلة فنية وإنسانية ربما مثلت حائط الصد الأخير في جزء من ملامح الأغنية المصرية.

طوى رحيل هاني شاكر صفحة كاملة من تاريخ الأغنية الرومانسية، التي صمدت لعقود في وجه متغيرات قاسية في الذوق العام، وأعلن بمغادرته ختام مشهد جميل، كان خلاله محاربًا وليس فقط مجرد مطرب.

"المحارب الأنيق"، دخل في صراع للهوية وحارب كثيرًا أمام الانحدار، تمسك بوقاره الموسيقي لسنوات ليكون الدرع الأخير الذي يحمي ما تبقى من ملامح الطرب الأصيل، وتركنا بلا فارس في المعركة، وفي زمن لا يعترف إلا بالسرعة والكثير من الضجيج.

استحق الراحل هاني شاكر لقب المحارب، ليس فقط لدفاعه عن الموسيقى في المسارح أو بين جدران النقابة، التي خاض بينها معارك شرسة ضد من يحاولون تشويه الفن، ولكنه عرف طريق المعارك طيلة عمره، حتى في أيامه الأخيرة التي توقف خلالها قلبه لست دقائق، حينما كانت مواجهة مع الموت أشبه بالبروفة.

ولفترات طويلة قبل الوفاة، واجه هاني شارك أوجاعه في صمت، وبمنتهى الوقار، لم نشاهده يومًا يتاجر بالألم أو يستجدي التعاطف، وظل يحتفظ بصورته الذهنية كفنان يُمتعنا بموسيقاه، ونشاهده دائمًا بابتسامة لا تفارقه.

وخلف الأضواء وصيحات الجمهور في حفلاته الغنائية، كان هاني شاكر الأب يسكنه الحزن منذ رحيل ابنته دينا، تحول الراحل شيئًا فشيئًا من الرومانسية للشجن، انكسر قلب أمير الغناء برحيل دينا، وعاش 15 عامًا من الغناء بقلب مكسور، يرى طيف في توأمها مجدي ومليكة، حتى جاء اللحن الأخير، وفي مكان لا فراق فيه، اللقاء الذي انتظره الأب قد حان.

كان هاني شاكر أحد عناصر القوى الناعمة التي لم تلوثها المزايدات، وفنان لم يسقط في فخ الترند، وكان طبيعيًا أن يحظى بكل هذا التقدير من المحبين من شتى البلاد العربية، الذين تسابقوا في نعيه، كما حظى بتقدير الدولة بنعي يعكس قيمة القوة الناعمة في أبهى صورها، وجاء النعي الرئاسي ليضع الختم الرسمي على مكانة هذا الرجل.

اختار القدر أن يسدل الستار في باريس، عاصمة الفن والجمال، وكأن الجمال يرفض أن يفارق هذا الرجل حتى في لحظاته الأخيرة، ترك ضجيج الحياة والمعارب النقابية التي أثقلت كاهله، رحل تاركًا لنا ألحانه التي ستظل تتردد في أروقة الأوبرا وعلى مسارح الوطن العربي التي شهدت وقفته الأنيقة وهو يشدو للحب والوطن.

اليوم تطوى الصفحة، بينما يظل الكتاب مفتوحًا أمام الأجيال القادمة، لتتعلم كيف يكون الفن رسالة، وكيف يكون الفنان قدوة، رحل هاني شاكر بابتسامته الوقورة، وتبقى ذكراه بيننا كلما اشتقنا للرقي والجمال.

اقرأ أيضًا:

أنا الأحق بميراث عبدالحليم.. سر رغبة هاني شاكر بإعادة أغاني العندليب

بعد التعديل.. موعد ومكان جنازة وعزاء هاني شاكر

الرئيس السيسي ينعى الفنان هاني شاكر: أثرى الغناء بأعذب الإبداعات الفنية

search