الأحد، 10 مايو 2026

01:18 م

الكاتبة سالي سليمان

المواريث.. علامات استفهام لا تنتهي

على غرار تعديل قوانين الأسرة… متى ينزل قانون الميراث إلى أرض الواقع ويُواجه جريمة إخفاء التركة؟.

قضية الميراث لا تتوقف عند حدود توزيع الأنصبة كما حددها الشرع، بل تمتد إلى ما هو أخطر: مرحلة ما قبل التقسيم، وهي حصر أصول التركة نفسها. فكيف يمكن تحقيق العدالة إذا كانت هذه الأصول غير معلنة من الأساس؟.

في الواقع العملي، تبرز واحدة من أخطر الإشكاليات، وهي عدم تسليم أو إخفاء أصول الميراث، سواء كانت عقارات أو أراضي أو حسابات مالية.

ولا يُعد هذا الإخفاء مجرد تحايل قانوني، بل يمثل انتهاكًا صريحًا لحقوق باقي الورثة، خاصة النساء، اللاتي قد يجدن أنفسهن في موقف ضعف أمام أطراف تمتلك النفوذ أو المعرفة.

ولا يمكن إغفال واقع لا يزال قائمًا في بعض القرى، خاصة في صعيد مصر، حيث تُحرم بعض النساء من حقهن في الميراث بشكل كامل. ففي هذه البيئات، يرفض بعض الأشقاء من الرجال توريث شقيقاتهم، استنادًا إلى موروثات اجتماعية خاطئة، من بينها الاعتقاد بأن “الميراث لا ينبغي أن يذهب إلى رجل غريب”، في إشارة إلى زوج الأخت.

هذا التصور، الذي يتعارض صراحة مع أحكام الشرع والقانون، لا يمثل فقط اعتداءً على حق أصيل للمرأة، بل يكشف عن خلل ثقافي عميق يُستخدم فيه العرف كغطاء لحرمان مشروع.

وتزداد خطورة الأمر حين يقترن هذا السلوك باستغلال السلطة أو النفوذ. ففي بعض الحالات، قد يكون أحد الأطراف في موقع قوة، كأن يكون قاضيًا أو ضابطًا، أو مدعومًا بنفوذ عائلي، فتُستخدم هذه المكانة للضغط على الطرف الأضعف أو حرمانه من المطالبة بحقوقه. 

وهنا تتحول القضية من نزاع أسري إلى خلل حقيقي في ميزان العدالة، حيث تُستغل السلطة لإسكات الحقوق بدلًا من حمايتها.

وتتجلى صورة أكثر قسوة عندما يُستغل ضعف بعض الشقيقات، خاصة ممن لم يُكملن تعليمهن أو لا يمتلكن القدرة على فهم الإجراءات القانونية، أو يعانين من إعاقة أو ظروف صحية خاصة، إذ يُدفع بهن إلى التوقيع على أوراق أو تنازلات لا يدركن مضمونها، مقابل مبالغ زهيدة لا تمثل شيئًا من حقوقهن الحقيقية. 

هذه الممارسات لا تندرج فقط تحت مظلة الظلم الأخلاقي، بل ترقى إلى جريمة مكتملة الأركان تستوجب تدخلًا قانونيًا حاسمًا.

وتكمن المشكلة الأكبر في جهل بعض الورثة، وخاصة النساء، بأصول الملكية. فهناك من تُجبر على قبول نصيب هزيل، لا عن رضا، بل لأنها لا تعلم أصلًا ما هي ممتلكات المتوفى. هذا الجهل يفتح الباب واسعًا أمام التلاعب، ويُفرغ فكرة “العدالة في الميراث” من مضمونها الحقيقي.

ومن هنا، لم يعد كافيًا الاكتفاء بالنصوص، بل أصبح من الضروري أن ينزل القانون إلى أرض الواقع، من خلال آليات واضحة تضمن الشفافية والعدالة وتحمي الفئات الأضعف.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تغليظ العقوبات على كل من يتعمد إخفاء أصول التركة أو الامتناع عن تسليمها، بحيث تصل العقوبة إلى السجن لمدة يحددها القانون، إلى جانب غرامة مالية كبيرة تتناسب مع حجم الضرر، بما يحقق الردع الحقيقي، ويمنع اعتبار هذه الجريمة مجرد مخاطرة يمكن احتمالاتها.

كما يبرز مقترح جوهري يتمثل في إسناد مهمة حصر وتوزيع التركة إلى خبير مختص، يتولى هذه العملية وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، بما يضمن الحياد الكامل والدقة، ويغلق الباب أمام أي تدخلات أو محاولات للتلاعب أو الإخفاء.

وفيما يتعلق بحماية حقوق القُصَّر، تفرض الضرورة وضع ضوابط صارمة على الأوصياء، من خلال التأكد من خلو سجل الوصي من أي أحكام قضائية سابقة، مع إخضاعه لرقابة قانونية حقيقية تضمن عدم التعدي على أموال القاصر أو استغلالها بأي صورة.

كما يصبح من الضروري إلزام إدراج جميع الأملاك ضمن “إعلام الوراثة”، بحيث لا يقتصر دوره على تحديد الورثة فقط، بل يمتد ليشمل حصرًا شاملًا ودقيقًا لكافة أصول التركة، مع توقيع عقوبات مشددة على كل من يتعمد إخفاء أي جزء منها، لما في ذلك من تضليل متعمد وعدوان صريح على حقوق باقي الورثة.

وفي هذا الإطار، يظل للإعلام دور محوري لا غنى عنه، إذ لا تقتصر المعركة على النصوص القانونية وحدها، بل تمتد إلى معركة وعي. فكلما زادت معرفة الأفراد بحقوقهم، وبالإجراءات القانونية الصحيحة، تقلّصت فرص الاستغلال، وتراجع نفوذ من يراهنون على جهل الآخرين.

وفي النهاية، فإن العدالة في الميراث لا تتحقق فقط من خلال نصوص واضحة، بل عبر منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، والرقابة، والحماية.

فبين قانون يُكتب على الورق… وحق يُنتزع في الواقع… تضيع حقوق لا تجد من يحميها إلا قانونًا يُطبَّق بعدل وحزم.

اقرأ أيضًا..

المرأة لا تتغير فجأة.. هي فقط تصل لمرحلة لا تجد فيها قلبها القديم

رابط مختصر

تابعونا على

search