الجمعة، 15 مايو 2026

09:17 م

الهروب من الفقر والفوز بأي ثمن.. عوامل عززت مافيا تزوير الأعمار في أفريقيا

جيلسون دالا

جيلسون دالا

ظاهرة التلاعب بالأعمار في كرة القدم، خصوصًا في القارة الأفريقية، ليست مجرد قضية رياضية عابرة، بل انعكاس لتعقيدات اجتماعية واقتصادية وإدارية عميقة. 

فعلى مدار سنوات طويلة، ظلت هذه المشكلة تلاحق بطولات الناشئين، وتثير الشكوك حول أعمار اللاعبين، لدرجة أن البعض وصفها بأنها تهدم الكرة الأفريقية. 

ويحمل هذا الوصف قدرًا من المبالغة أحيانًا، لكنه يستند في الوقت نفسه إلى وقائع متكررة عززت هذا الانطباع، مثل استبعاد لاعبين ومنتخبات كاملة بعد ثبوت تجاوزهم السن القانونية، وهو ما حدث في أكثر من مناسبة داخل القارة الأفريقية.

وشهدت بطولة كأس الأمم الأفريقية تحت 17 عامًا المقامة في المغرب، موجة عارمة من الجدل والتشكيك على منصات التواصل الاجتماعي، بعد توهج حارس مرمى منتخب أنجولا للناشئين، جيلسون دالا، وحصده جائزة أفضل لاعب في المباراة التي انتهت بالتعادل السلبي أمام منتخب مالي.

وتحول الحارس الأنجولي إلى الترند الأول عبر منصة “إكس” اليومين الماضيين، بعدما نشر الصحفي أوساسو أوبايوانا صورة الحارس معلقًا بتعجب: "هذا اللاعب تحت 17 عامًا؟ نحن نمزح حقًا في أفريقيا"، لتنفجر آلاف التعليقات الساخرة والمشككة في أهليته السنية.

وانهالت تعليقات جماهير كرة القدم الساخرة من المظهر الجسدي للحارس، حيث علق أحد المتابعين، قائلاً: "هذا الرجل يبدو في أواخر العشرينات أو أوائل الثلاثينات، حتى إنه يعاني من الصلع!". وأضاف آخر تهكمًا: "يبدو كأب لطفلين يبلغان من العمر 16 عامًا".

وقال ثالث: “تجاعيد وجهه تضعه في خانة اللاعبين المخضرمين”، وأضاف رابع: “ربما يقصدون 16 سنة من الخبرة في الملاعب وليس سنه”.

جيلسون دالا

وفتحت تلك السخرية من الحارس الأنجولي باب الحديث عن تزوير الأعمار أو التسنين في أفريقيا من قبل الجماهير والإعلاميين.

الحلم بالاحتراف

كرة القدم في أفريقيا ليست مجرد لعبة، بل تمثل بالنسبة لآلاف الشباب وسيلة للخروج من الفقر وتحقيق نقلة اجتماعية واقتصادية كبيرة. 

ويخلق هذا الحلم ضغطًا هائلًا على اللاعبين منذ سن مبكرة، خصوصًا أن فرص الاحتراف في أوروبا أو آسيا غالبًا ما ترتبط بالاكتشاف المبكر. 

عندما يتأخر اكتشاف اللاعب، أو يقترب من تجاوز الفئة العمرية التي تجذب الكشافين، يصبح تقليل العمر وسيلة لإعادة تقديم نفسه في السوق. 

ولا تأتي هذه الرغبة دائمًا من اللاعب وحده، بل قد تكون نتيجة نصائح من وكلاء أو مدربين يرون في ذلك “حلًا عمليًا” لمشكلة ضيق الفرص.

 الفوز بأي ثمن

وتحولت بطولات الناشئين، مثل كأس أفريقيا تحت 17 عامًا أو كأس العالم للناشئين، إلى ساحات لإثبات التفوق الكروي والهيمنة القارية من قبل المنتخبات وليست بطولات لإعداد الناشئين. 

وجعل هذا التحول النتائج أولوية قصوى للاتحادات والمدربين، بدلًا من التركيز على تطوير المواهب على المدى الطويل. 

وفي ظل هذا الضغط، يلجأ البعض إلى إشراك لاعبين أكبر سنًا للحصول على أفضلية بدنية واضحة، خاصة أن الفوارق الجسدية في هذه المرحلة العمرية تكون حاسمة للغاية، هذه الممارسات حتى لو لم تكن عامة، تخلق بيئة تنافسية غير عادلة وتؤثر على مصداقية البطولات.

وهناك واحدة من أبرز المشكلات التي تغذي الظاهرة هي غياب نظام توثيق موحد ودقيق، في بعض الدول، يمكن للفرد أن يمتلك أكثر من شهادة ميلاد، أو أن يعدل بياناته بسهولة نسبية. 

هل يُعدّ التلاعب بالأعمار مشكلة؟

ليس سرًا أن بعض منتخبات الشباب الأفريقية غالبًا ما تُشتبه في احتوائها على لاعبين تجاوزوا السن المسموح به، وشهدت منتخبات مثل نيجيريا وغانا وكينيا فضائح مماثلة في الماضي.

يقول جوناثان أكبوبوري، لاعب منتخب نيجيريا السابق البالغ من العمر 45 عاماً، إن التلاعب بالأعمار منتشر في كرة القدم الأفريقية، ويصفه بأنه "أكبر مشكلة" تواجهها اللعبة هناك.

في أبريل 2013، تم استبعاد 9 لاعبين من بطولة أفريقيا تحت 17 سنة في المغرب بعد أن أظهرت فحوصات الرنين المغناطيسي للمعصم تجاوزهم السن المسموح به، كما تم إيقاف 3 لاعبين من كل من الكونغو برازافيل وساحل العاج ونيجيريا.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، خسرت نيجيريا عددًا من لاعبيها الأساسيين في بطولة كأس العالم تحت 17 سنة التي أقيمت في أكتوبر الأول للسبب نفسه، بينما تم استبعاد الصومال من تصفيات بطولة أفريقيا تحت 17 سنة 2013 لإشراكها لاعبين تجاوزوا السن المسموح به.

واعترف وكيل اللاعبين أكبوبوري بمعرفته بالعديد من اللاعبين الذين "كذبوا" بشأن أعمارهم في كرة القدم الأفريقية.

وصرح لبي بي سي سبورت: “لقد كانت هذه مشكلة كبيرة، ولا تزال كذلك، بعضهم لعب في فئة تحت 17 عامًا، ثم اعتزل بعد بضع سنوات لأنهم لم يعودوا قادرين على الركض”، “انظروا إلى المنتخب الإسباني كمثال على كيفية التعامل مع الأمر، لاعبين سابقين أمثال تشافي وأندريس إنييستا تدرجوا في فرق الشباب، يمكنك تتبع مسيرتهم الكروية حتى النهاية”.

تشافي

عندما تنظر إلى اللاعبين الأفارقة الذين يلعبون في فئة تحت 17 عامًا، ربما يعتزلون بعد عام أو عامين لأنهم لم يعودوا قادرين على تقديم نفس الأداء الذي قدموه في تلك الفئة بسبب تقدمهم في السن، يتم منح الفرصة للاعبين غير المناسبين".

في عام 2003، تم حلّ المنتخب الكيني الوطني تحت 17 عامًا من قبل الحكومة بعد أن اعترف بعض اللاعبين بتجاوزهم السن القانونية.

وقال بن كوفي، الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم الغاني، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) العالمية عام 2012: “المشكلة قائمة منذ زمن طويل، لكنها تتحسن تدريجيًا، من الشائع جدًا، في بعض الحالات، أن يسأل اللاعب عن عمره، فيسألك إن كنت تسأله عن عمره في الملاعب أم عمره الحقيقي”.

هل “التسنين” حكرٌ على كرة القدم الأفريقية؟

وفاز منتخب البرازيل بكأس العالم للشباب 2003 للاعبين تحت 20 عامًا بفريق ضمّ لاعبًا يبلغ من العمر 25 عامًا، وبعد 3 سنوات من هذا الإنجاز، تبيّن أن لاعب خط الوسط الدفاعي كارلوس ألبرتو، الذي كان يلعب في مركز الجناح، قدّم عمرًا خاطئًا.

Carlos Alberto

ويكمل وكيل اللاعبين أكبوبوري: “أنا متأكد من أن هذه المشكلة لا تقتصر على أفريقيا فقط، كما تعلمون، كانت هناك مشاكل في أمريكا الجنوبية، ولكنكم تعلمون أيضاً أن المشكلة في أفريقيا كبيرة جداً”، "ربما كان من السهل على اللاعبين في أفريقيا الإفلات من العقاب، أو هكذا كان الأمر في السابق، لا توجد أماكن كثيرة في العالم يسهل فيها الأمر كما هو الحال في أفريقيا، تُبذل جهود لوقف ذلك".

بداية الحل

في محاولة للحد من الظاهرة، اعتمد فيفا منذ عام 2009 على تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لتحديد العمر البيولوجي للاعبين، من خلال فحص عظام الرسغ. 

وتعتمد هذه التقنية على تحليل مدى اكتمال نمو العظام، وهو مؤشر قوي على العمر الحقيقي، وساهمت هذه الخطوة في تقليل عدد الحالات بشكل ملحوظ، إذ أصبح من الصعب تمرير لاعبين أكبر سنًا دون اكتشافهم. 

ومع ذلك، تبقى هذه التقنية غير مثالية، حيث يمكن أن تخطئ في بعض الحالات، ما يجعلها أداة مساعدة وليست حلًا نهائيًا.

وبدأت بعض الدول الأفريقية في اتخاذ خطوات جادة لمعالجة جذور المشكلة، من خلال إنشاء أنظمة رقمية لتسجيل المواطنين منذ الولادة، وربط هذه البيانات بالأنشطة الرياضية. 

القضاء الكامل على تزوير الأعمار ليس مهمة سهلة، لأنه يتطلب معالجة عوامل متعددة في وقت واحد، من بينها الفقر، وضعف التعليم، وغياب التوثيق، وضغط النتائج.

 ومع ذلك، فإن التقدم الذي تحقق في السنوات الأخيرة يشير إلى أن الظاهرة يمكن تقليصها بشكل كبير إذا استمرت الجهود الحالية، وتم تعزيزها بإصلاحات أعمق.

في النهاية، تظل ظاهرة تزوير الأعمار في كرة القدم الأفريقية انعكاسًا لواقع معقد، وليست مجرد سلوك فردي يمكن القضاء عليه بسهولة، هي مشكلة تتطلب حلولًا شاملة تبدأ من تسجيل المواليد، وتمر بتطوير الأنظمة الإدارية، وتنتهي بتغيير الثقافة المرتبطة بالنجاح في كرة القدم. 

اقرأ أيضًا..

استعدادًا لمواجهة المصري.. تفاصيل ودية الأهلي أمام دلفي

search