الإثنين، 18 مايو 2026

02:11 م

"ثلاثة رجال وجلباب".. الحكاية التي أحرجت المجتمع كله

أحيانًا تكشف واقعة صغيرة حجم المرض الكبير المختبئ داخل المجتمع. ثلاثة رجال من أبناء الصعيد، بينهم رجل مسن، ذهبوا إلى السينما لمشاهدة فيلم " أسد"، فعادوا محملين بشعور ثقيل من الإهانة، لأن هناك من قرر أن الجلباب الصعيدي لا يليق بقاعة عرض سينمائي.

تأملوا المشهد جيدًا؛ رجل كبير في السن، ربما لم يذهب إلى السينما منذ سنوات طويلة، وربما ادخر من مصروف بيته ليقضي ساعتين ينسى فيهما تعب الحياة، يقف أمام باب مغلق لا لشيء إلا لأنه يرتدي جلبابًا. أي قسوة هذه؟ وأي مجتمع يمكن أن يقبل أن يتحول لباس الرجل البسيط إلى تهمة؟ المشكلة هنا ليست في السينما وحدها، بل في عقلية خطيرة بدأت تنتشر بصمت؛ عقلية تعتقد أن قيمة الإنسان تُقاس بشكل ملابسه ولهجته ومكان ميلاده، لا بأخلاقه أو احترامه أو إنسانيته.
 

ولم تكن هذه النظرة إلى الجلباب الصعيدي جديدة على المجتمع. فمنذ فترة أثارت الإعلامية سمر فرج فودة حالة واسعة من الغضب بعد تصريحات فهمها كثيرون باعتبارها سخرية من الجلباب والرجل الصعيدي. يومها دافع الناس عن الصعيد وعن الجلباب باعتباره جزءًا من الشخصية المصرية، واعتبر كثيرون أن ما قيل لم يكن مجرد رأي عابر، بل تعبيرًا عن استعلاء خفي يرى أن الإنسان يُحاكم من مظهره لا من أخلاقه. وظن البعض وقتها أن المسألة انتهت مع انتهاء الجدل، لكن واقعة الرجال الثلاثة أمام السينما أثبتت أن الأزمة أعمق من مجرد تصريحات، وأن هناك بالفعل من ينظر إلى الرجل الصعيدي وكأنه أقل قبولًا داخل بعض الأماكن الحديثة.

للأسف، هناك من يريد لمصر أن تصبح نسخة بلا روح؛ نفس الملابس، ونفس الكلام، ونفس الطبقة الاجتماعية، وكأن الفلاح والصعيدي والرجل البسيط أصبحوا مشهدًا غير حضاري. 

يا سادة، مصر الحقيقية ليست في المولات المكيفة وحدها، ولا في البدل المستوردة وحدها، ولا في الكلمات الأجنبية التي يتباهى بها البعض. 

مصر الحقيقية موجودة أيضًا في الجلباب البلدي، موجودة في الرجل الصعيدي الذي يستيقظ قبل الشمس ليعمل، وفي الفلاح الذي يحمل همّ بيته وأرضه، وفي العامل الذي يبني العمارات التي يسكنها المتعالون أنفسهم. هؤلاء ليسوا عبئًا على البلد، بل هم البلد نفسها.
الرجل الصعيدي تحديدًا تعرض لظلم كبير عبر سنوات طويلة. فبدلًا من تقديمه كنموذج للشهامة والرجولة والالتزام، جرى أحيانًا اختزاله في صورة ساخرة أو متخلفة، مع أن الحقيقة تقول إن الصعيد أنجب رجالًا حملوا على أكتافهم أصعب ظروف الحياة دون أن يفقدوا كرامتهم. الصعيدي قد يكون بسيط التعليم، لكنه غالبًا عظيم الكبرياء، وقد يكون فقيرًا، لكنه لا يبيع نفسه بسهولة، وقد يرتدي جلبابًا، لكنه أحيانًا أكثر احترامًا من آلاف يرتدون أفخم البدل. ولهذا فإن السخرية من الجلباب ليست سخرية من زي شعبي فقط، بل من طبقة كاملة من المصريين البسطاء.
والكارثة أن بعض الناس لا يشعرون بخطورة ما يفعلونه.

يظنون أن الأمر مجرد ذوق عام، بينما الحقيقة أنه نوع قبيح من التمييز الطبقي المغلف بالشياكة الكاذبة. فالإنسان المحترم لا يُقاس بما يرتديه. ولو كان الرقي في الملابس فقط، لكانت محلات الأزياء أعظم من الجامعات، ولكان عارضو الأزياء أكثر قيمة من العلماء. الرقي الحقيقي في الأخلاق، وفي احترام الناس، وفي ألا تُشعر إنسانًا بالخجل من نفسه. كم من إنسان بسيط دخل مكانًا فشعر أن العيون تنظر إليه باعتباره أقل من الآخرين فقط لأنه لا يرتدي الملابس المناسبة لذوق الطبقة الراقية، وكم من رجل محترم اضطر لإخفاء لهجته أو تغيير شكله حتى لا يتعرض للسخرية. هذه ليست حضارة، بل هشاشة اجتماعية متنكرة في صورة «إتيكيت».

المجتمعات القوية لا تخجل من ناسها البسطاء، بل تفتخر بهم، والدول العظيمة لا تُقاس بعدد المولات والكافيهات اللامعة، وإنما بطريقة تعاملها مع المواطن العادي؛ مع الرجل الذي يعمل طوال اليوم ثم يذهب آخر الليل ليبحث عن لحظة فرح بسيطة، ومع الفلاح الذي يعود من أرضه متعبًا لكنه مرفوع الرأس، ومع الصعيدي الذي يتمسك بجلبابه لأنه جزء من هويته وليس لأنه لا يعرف غيره. 

والخطير أن البعض يتعامل مع الجلباب وكأنه دليل على التأخر، مع أن الحقيقة قد تكون العكس تمامًا. أعرف رجالًا بالجلاليب يملكون من الكرامة والنظافة والشرف ما لا يملكه كثيرون يرتدون أفخم الماركات ويتحدثون طوال الوقت عن الرقي والتحضر. 

فالتحضر ليس نوع قماش، وليس اسم مطعم، وليس طريقة نطق الكلمات الأجنبية، بل التحضر الحقيقي أن تحترم الإنسان مهما كان شكله، وأن ترى فيه إنسانًا كامل الكرامة لا مخلوقًا يحتاج إلى إعادة تشكيل حتى يصبح مقبولًا اجتماعيًا.
ولهذا كان موقف الفنان محمد رمضان مهمًا ومحترمًا جدًا. قد يختلف الناس معه أو عليه في أشياء كثيرة، لكن الحقيقة أنه في هذه الواقعة قال كلمة حق واضحة دون مواربة. حين غضب دفاعًا عن الرجال الثلاثة، وحين قال عن الرجل المسن «ده قد والدي»، كان يتحدث بلسان ملايين المصريين الذين شعروا بالإهانة من المشهد. محمد رمضان فهم شيئًا بسيطًا جدًا، وهو أن الرجل البسيط له كرامة، وأن السينما ليست ناديًا مغلقًا للأغنياء أو لأصحاب المظاهر الحديثة، وأن الجلباب البلدي لا ينتقص من قيمة صاحبه أبدًا، بل ربما يزيده احترامًا، لأن الإنسان الحقيقي لا يصنعه شكل الملابس بل يصنعه معدنه.
المشكلة الحقيقية أن بعض الناس يريدون مصر على مقاسهم فقط، مصر التي تشبههم هم وحدهم، لكن مصر أكبر من ذلك بكثير. مصر ليست لونًا واحدًا، ولا طبقة واحدة، ولا شكلًا واحدًا، بل خليط عظيم من البشر واللهجات والملابس والحكايات. فيها ابن المدينة، وابن القرية، وابن الصعيد، وفيها الجلباب كما فيها البدلة، وفيها البساطة كما فيها الحداثة، وهذا هو جمالها الحقيقي. أما حين يبدأ المجتمع في احتقار جزء من صورته الأصلية، فإنه يفقد شيئًا من روحه دون أن يشعر. ولهذا فإن القضية ليست ثلاثة رجال مُنعوا من دخول السينما، بل القضية أننا بدأنا أحيانًا نخجل من ملامحنا الأصلية، وهذه أخطر هزيمة يمكن أن تصيب أي وطن.

رابط مختصر

تابعونا على

search