الثلاثاء، 26 مايو 2026

06:23 م

موسيقانا تحت المقصلة الإلكترونية!

مع الإطلالة الأولى لموسم الصيف الغنائي في مصر، تفتح الشوارع والشواطىء ذراعيها لاستقبال البهجة والموسيقى، ولكن يبدو أن موسم صيف 2026 سيحمل بعض التفاصيل الأخرى.

في ظروف سابقة، اقتصر دور المستمع على التذوق، قد يعجبه هذا اللحن أو يرى أن تلك الأغنية لا تناسب ذوقه الشخصي، وهذا حق أصيل للمستمع، بل من الضرورة أن يحدث ذلك ليكون المستمع مرآة للصانع بشكل مستمر.

لكن الملاحظ في السنوات الأخيرة، أن الأمر تعدى الاستماع والاستمتاع بالموسيقى، وتحول الفضاء الإلكتروني لساحة محاكمات صارمة، يرتدي البعض عباءة لجنة التحكيم التي تترصد للفنانين، وترصد أحكامًا فورية قاطعة بالنجاح والفشل.

الأمر هنا لا يقتصر على موجات التعليقات السلبية فحسب، بل يمتد للإشادة المبالغ فيها والمدح الزائد الذي يفتقر للموضوعية، حيث إن الإفراط في الإيجابية يمثل فخًا آخر قد يخادع الصناع ويمنحهم شعورًا زائفًا بالعبقرية المطلقة.

الهدف هنا ليس مصادرة حق الجمهور في التعبير، فالموسيقى تُصنع في النهاية لتصل إلى وجدان الناس، ولكن هناك خيطًا رفيعًا بين إبداء الإعجاب أو الانتقاد، وبين الإدعاء الفني والدخول في تفاصيل موسيقية من دون دراية، بل والمطالبة بتغيير بناء أغنية بأكملها وكأن أحدهم هو من يقود الأوركسترا.

لعل المثال الأبرز هنا، العمل المشترك الذي جمع النجمين محمد حماقي وشيرين عبدالوهاب، الذي اصطدم بمجرد طرحه بورش التحليل على منصات التواصل الاجتماعي.

لماذا جاءت الكلمات بهذه الشكل؟ أين الدراما والشجن؟ كان لابد أن يكون اللحن أكثر حزنًا.

كل هذه الأسئلة وغيرها غزت التعليقات أسفل الأغنية بأكثر من منصة، فضًلا عن مئات المنشورات، وهنا الأمر لا يتعلق بإبداء الرأي، ولكنه يدخل في فرض آراء على المبدع مرتبطة بتصورات مسبقة.

نحن هنا لا نتحدث عن هواة يتلمسون طريقهم وينتظرون التوجيهات، بل أمام اسمين كبيرين يمثل كل منهما مدرسة غنائية، وحين يقرران التعاون، بالتأكيد يملكان الرؤية والوعي الكاملين لما يقدمانه.

كان من السهل على شيرين وحماقي اللعب في المساحة الآمنة والمضمونة، كلمات حزينة ولحن شجي وموسيقى هادئة، تدغدغ مشاعر الجمهور وتضمن استدرار دموعهم وتلبي التوقعات التقليدية.

لكنهما اختارا عمدًا تقديم رؤية مغايرة، تركيبة بين الكلمات واللحن تفاجئ الأذن في الوهلة الأولى للسماع، وسواء اتفقنا أو اختلفنا، هو قرار فني واع يستحق التأمل والاحترام، لا الأحكام الانطباعية المتعجلة.

نموذج أغنية "بحرية" يلخص معضلة كبرى يواجهها صناع الموسيقى مع معسكرات العالم الافتراضي، إذا لجأ الفنان لفكرة جديدة، رفضها الجمهور بشكل فوري، وحين يقرر تجنب كل ذلك ويقدم أغنية تقليدية على الأذن، يتهمه الجمهور بالإفلاس الفني.

الأزمة الحقيقية اليوم ليست في اختلاف الأذواق، بل هوجة السوشيال ميديا التي يقودها السخرية السريعة، التي تتجسد في غالبية الأحيان في مجموعة من "الميمز"، يترك حساب على منصة تعليقًا على الأغنية، وقد يردده وراءه كثيرون دون حتى أن يكلفوا أنفسهم عناء الاستماع للعمل كاملا.

هذا النقد السطحي القائم على "الموجة" والتهكم يظلم أعمالا بذل فيها أصحابها مجهودًا ضخمًا، ويرسخ انطباعات زائفة برداءة العمل لمجرد أن السخرية منه مضحكة وتواكب الترند.

المستمع المصري يتميز عبر تاريخه بامتلاك إذن موسيقية واعية لا تخطىء، وهذه الكلمات ليست اتهامًا لأحد، بل هي دعوة مخلصة لاستعادة متعة الاستماع.

الموسيقى صُنعت لتلمس القلوب، قبل أن تتحرك الأصابع لكتابة تعليقات غاضبة، لنمنح الفرصة للصناع ليقدموا إبداعاتهم، ونترك المساحة لتقديم رؤيتهم الخاصة دون مقصلة إلكترونية جاهزة.

search