الجمعة، 29 مايو 2026

11:17 م

عزبة البرنسيسة بالفيوم.. حكاية 118 عامًا من التاريخ الملكي والتحولات الاجتماعية في كفر محفوظ

صورة لاستراحة البرنسيسة

صورة لاستراحة البرنسيسة

في قلب قرية كفر محفوظ التابعة لمركز طامية بمحافظة الفيوم، تقف عزبة صغيرة تحمل تاريخًا يمتد لأكثر من 118 عامًا، تُعرف حتى اليوم باسم “عزبة البرنسيسة”، وهو اسم ارتبط بإحدى أميرات العائلة الملكية التي أقامت داخلها في مطلع القرن العشرين، لتتحول المنطقة إلى شاهد حي على حقبة ملكية ما زالت حكاياتها حاضرة بين الأهالي.

ورغم مرور عقود طويلة على رحيل الأسرة الملكية وتغير ملامح المكان، لا يزال اسم “البرنسيسة” متداولًا بين السكان، الذين يتوارثون قصص القصر الكبير والأراضي الزراعية الواسعة، والحياة التي كانت مختلفة تمامًا عن طبيعة الريف المصري آنذاك.

قصر ملكي وسط الأراضي الزراعية

شهدت العزبة في بداياتها إنشاء قصر كبير ذو طابع معماري مميز، بُني باستخدام خامات وتصميمات راقية كانت نادرة في القرى الريفية خلال تلك الفترة. وتميز القصر بمساحاته الواسعة وحدائقه المحيطة، إلى جانب مبانٍ خدمية ومخازن وأماكن مخصصة للعمال والخدم داخل الأراضي الزراعية التابعة للعزبة.

ولم يكن القصر مجرد مقر إقامة، بل كان نموذجًا للحياة الأرستقراطية المرتبطة ببعض أفراد العائلة الملكية، حيث ضمت العزبة آنذاك مقومات معيشية متقدمة مقارنة بقرى الريف المصري في ذلك الوقت.

ويؤكد الأهالي أن المنطقة كانت من أوائل القرى التي شهدت دخول الكهرباء والمياه النظيفة، ما منحها تميزًا واضحًا عن القرى المجاورة.

مشروع زراعي واسع ونشاط اقتصادي متكامل

لم تقتصر أهمية العزبة على الجانب السكني، بل لعبت دورًا مهمًا في النشاط الزراعي بمحافظة الفيوم، حيث جرى استصلاح مساحات واسعة من الأراضي وزراعتها بمحاصيل استراتيجية، أبرزها الأرز والقطن.

واعتمدت العزبة على نظام زراعي متطور نسبيًا، ووفرت فرص عمل لعشرات العمال والفلاحين، بعضهم كان يقيم داخل المنطقة لمتابعة العمل اليومي ورعاية المحاصيل.

ومع توسع النشاط الزراعي، تحولت العزبة إلى مجتمع متكامل يضم مساكن للعمال ومخازن للمحاصيل، إلى جانب القصر الرئيسي الذي ظل لسنوات أبرز معالم المكان.

حكايات الأهالي وذاكرة المكان

لا تزال روايات الماضي حاضرة بين سكان عزبة البرنسيسة، حيث يتحدث كبار السن عن تفاصيل الحياة اليومية داخل العزبة، وحالة التنظيم التي ميزت المكان في بداياته.

ويقول الأهالي إن المنطقة كانت تشهد حركة دائمة بسبب أعمال الزراعة والنقل، إلى جانب زيارات مرتبطة بالعائلة المالكة آنذاك.

ويؤكد ياسر أبو زيد، أحد سكان القرية، أن اسم “البرنسيسة” أصبح جزءًا من هوية المكان، بينما يشير محمد أبو جبل إلى أن بعض أجزاء القصر القديم ما زالت قائمة حتى اليوم رغم تعرضها للتهدم مع مرور الزمن.

ثورة يوليو وتغير ملامح العزبة

شهدت العزبة تحولًا جذريًا بعد ثورة يوليو عام 1952، حيث خضعت لأحكام الإصلاح الزراعي، وتمت إعادة توزيع الأراضي على الفلاحين.

ومع مرور الوقت، بدأت ملامح العزبة القديمة في التلاشي، وتحولت إلى تجمع سكني يضم مئات الأسر، بعد تقسيم الأراضي وإقامة منازل جديدة.

كما اختفت أجزاء كبيرة من القصر التاريخي، ولم يتبق سوى بعض البقايا التي لا تزال شاهدة على حقبة العزبة الملكية.

إرث تاريخي لا يزال حاضرًا

تمثل عزبة البرنسيسة نموذجًا لمناطق ريفية شهدت تحولات كبرى بين الحقبة الملكية ومرحلة الإصلاح الزراعي ثم التوسع العمراني، ما جعلها جزءًا من الذاكرة التاريخية لمحافظة الفيوم.

ورغم تغير ملامح المكان، يؤكد الأهالي أن روح التاريخ ما زالت حاضرة في العزبة، وأن ما تبقى من آثار القصر يمثل قيمة تراثية يجب الحفاظ عليها.

وبين الحقول والمنازل الحديثة، تبقى عزبة البرنسيسة شاهدة على قصة امتدت لأكثر من قرن، بدأت بقصر ملكي وسط الأراضي الزراعية، وانتهت بمجتمع سكني حديث، بينما ظل الاسم حاضرًا في ذاكرة الأهالي كأحد أبرز معالم مركز طامية بمحافظة الفيوم.

search