الأحد، 31 مايو 2026

08:28 ص

دراسة: ​​عدد سكان العالم قد ينخفض إلى النصف خلال 40 عامًا

صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

تاريخ سكان العالم لا يسير في خط مستقيم، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين التكنولوجيا والموارد والصحة والطاقة والتنظيم الاجتماعي، فسكان العالم ليسوا ثابتين، بل معادلة لا تزال قيد التشكيل.

وقدرت دراسة تستند إلى الإحصاءات الرياضية المطبقة على الأرقام الديموغرافية من الـ12000 سنة الماضية، أن ​​عدد سكان العالم قد ينخفض إلى النصف خلال 40 عامًا، وفقًا لهذا التحليل.

يبدو الرقم وكأنه مقتبس من رواية كارثية: في أقل من أربعين عامًا، قد تفقد البشرية نصف سكانها، ولكن عند الاطلاع على الدراسة الأصلية، نكتشف شيئًا أكثر إثارة للاهتمام من مجرد تنبؤ كارثي.

لا تدّعي الدراسة، المنشورة في مجلة "الفوضى، السوليتونات، والكسور "، أن عدد سكان العالم سينخفض ​​إلى النصف بحلول عام 2064، بل تُقدّم نموذجًا رياضيًا جديدًا قادرًا على وصف ما يقارب 12,000 عام من التطور الديموغرافي البشري، واستكشاف سيناريوهات مستقبلية مختلفة بناءً على هذا النموذج. 

أحد هذه السيناريوهات، وهو الأكثر تطرفًا، يؤدي بالفعل إلى انخفاض حاد في عدد سكان العالم. لكنّ الباحثين أنفسهم، بقيادة أليسيو زاكوني، يؤكدون أن هذه فرضية توضيحية وليست تنبؤًا.

يكمن جوهر الدراسة في الجانب الرياضي

لأكثر من قرنين من الزمان، سعى خبراء إلى وصف نمو السكان باستخدام معادلات بسيطة نسبيًا، وكان أول نموذج رئيسي هو نموذج توماس مالتوس، في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت فكرته بسيطة: إذا كان عدد المواليد يفوق عدد الوفيات، فإن عدد السكان ينمو نموًا أُسّيًا، ويعتمد معدل النمو كليًا على عدد السكان الموجودين بالفعل.

تكمن المشكلة في أن أعداد السكان الحقيقية لا تنمو إلى ما لا نهاية، فالموارد محدودة، ولهذا السبب ظهرت نماذج لاحقة، مثل معادلة فيرهولست اللوجستية، التي تتضمن مفهوم “القدرة الاستيعابية”: وهو الحد الأقصى لعدد الأفراد الذين يمكن للبيئة أن تدعمهم بشكل مستدام، أي استقرار الموارد المتاحة.

مع ذلك، ووفقًا لفريق زاكوني، لا تصف أي من هذه المعادلات تاريخ البشرية الديموغرافي برمته وصفًا وافيًا، ويوضحون أن نمو جنسنا البشري مرّ بمراحل متباينة للغاية: فترات طويلة من الاستقرار، وتوسعات سريعة مرتبطة بالزراعة أو التصنيع، وتباطؤات حديثة، وأزمات صغيرة مؤقتة كالأوبئة أو الحروب.

في محاولةٍ لفهم كل هذه السلوكيات من خلال صياغة رياضية واحدة، لم يلجأ الخبراء إلى النماذج الديموغرافية التقليدية، بل استلهموا من فيزياء الزجاج. 

وتتميز هذه المواد ببنية داخلية فوضوية وتتطور بشكل غير منتظم، حيث تتناوب فترات طويلة من الاستقرار الظاهري مع تغيرات مفاجئة. 

ويرى زاكوني أن سلوك البشر، المتأثر بالابتكارات التكنولوجية والأوبئة والحروب والتحولات الاجتماعية، يشبه إلى حدٍ كبير سلوك هذه المواد.

في هذه الصيغة، يُعدّ المتغير K أهمّ مُعامل في النموذج، إذ يُمثّل كيفية تغيّر قدرة النمو مع ازدياد عدد السكان، ومن المثير للاهتمام أن إشارة K تُغيّر المستقبل تمامًا، فعندما تكون K سالبة، يتباطأ النمو تدريجيًا. 

وهذا تحديدًا ما يعتقد الباحثون أنهم لاحظوه منذ عام 1970 تقريبًا، إذ تتراجع معدلات الخصوبة في معظم أنحاء العالم، بينما يستمر عدد السكان في الازدياد، ولكن بوتيرة متسارعة. وعندما تصبح K موجبة، يحدث العكس: يتسارع النمو وقد يؤدي إلى سلوك غير مستقر. إذن، من أين أتى الرقم الشهير 2064؟.

في هذه الدراسة، يطرح فريق زاكوني فرضية ثانية: يتصورون أزمة عالمية شديدة (تغير مناخي حاد، أوبئة، أو نزاعات، أو استنزاف للموارد، أو مزيج من عدة عوامل من هذه العوامل) تُقلل بشكل كبير من قدرة كوكب الأرض على استيعاب السكان، في هذا السيناريو، يُحددون قدرة الأرض القصوى بحوالي ملياري نسمة.

انطلاقاً من تلك الحالة الأولية، يُنتج النموذج انخفاضاً سريعاً في عدد سكان العالم، ويُقدّر أنه يُمكن خفضه إلى النصف تقريباً بحلول عام 2064. 

ولكن إليكم الجانب الأهم في الدراسة: هذا الاستنتاج لا يستند إلى بيانات حالية، بل إلى فرضية أضافها الباحثون عمداً.

بمعنى آخر، لا يتنبأ النموذج بأن الأرض تتجه حتمًا نحو تلك النتيجة. ما يُظهره هو ما سيحدث في حال انخفاض قدرة الكوكب على إعالة سكان بشريين بشكل حاد مسبقًا، والفرق، مقارنةً بادعاء "سيناريو 2064"، هائلٌ من الناحية العلمية.

يشبه الأمر بناء نموذج للأحوال الجوية والتساؤل عما سيحدث إذا ظهر إعصار من الفئة الأولى غدًا. قد تكون النتيجة صحيحة في ظل الظروف المفترضة، لكنها لا تضمن حدوث الإعصار فعليًا.

علاوة على ذلك، يتمثل الضعف الرئيسي للدراسة في اعتماد التوقعات المستقبلية بشكل كبير على معايير يصعب تقديرها، لا سيما ما يُسمى بالقدرة الاستيعابية للأرض. فلا يوجد إجماع علمي حول عدد السكان الذين يمكن للكوكب إعالتهم فعلياً ، لأن الإجابة تعتمد على متغيرات اقتصادية وتكنولوجية وطاقية واجتماعية يستحيل معرفتها بدقة لعقود قادمة.

مع ذلك، لا يعني هذا أن الدراسة تفتقر إلى القيمة. في الواقع، ربما لا تكمن أهم مساهماتها في تحديد عام 2064، بل في إظهار مدى حساسية الأنظمة البشرية للتغيرات الطفيفة نسبيًا في الظروف البيئية والاقتصادية.

اقرأ أيضًا..

في هذا التاريخ.. عدد سكان الأرض يصل الحد الأقصى والعالم يتجاوز طاقته

تابعونا على

search