الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
07:44 ص
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تحت لهيب الشمس الحارقة أو وسط الأمطار الشتوية القاسية، يتسابق الآلاف من عمال التوصيل “طياري الدليفري” في شوارع القاهرة الكبرى مع عقارب الزمن، الذين أصبحوا اليوم شريان الحياة لملايين الأسر المصرية، ينقلون الطعام، والأدوية، والبقالة، إلا أنهم في الوقت ذاته يضعون أرواحهم على كفوفهم في كل رحلة.

مع التوسع الهائل لاقتصاد المنصات الرقمية، يكشف هذا التحقيق كيف تتهرب شركات التوصيل الكبرى من التزاماتها القانونية والاجتماعية تجاه عمالها، عبر اختلاق وسيط يُدعى "مكاتب التشغيل"، ما يترك "طياري الدليفري" فريسةً لمخاطر الشارع، وتقلبات الأجر، وغياب المظلة التأمينية، في تحايل صريح على نصوص قانون العمل.

يكشف التحقيق تفاصيل تهرب شركات توصيل الطلبات الكبرى من التزاماتها القانونية والاجتماعية تجاه عمال "الدليفري" عبر مكاتب وسيطة "مكاتب تشغيل" ليصبح العامل فريسة لمخاطر الشارع وغياب المظلة التأمينية في صورة تكشف تحايل الشركات على نصوص قانون العمل ومحاولات الحكومة لفرض مظلة تأمينية للعمال
خاضت "تليجراف مصر" جولة ميدانية وتقصيًا في مناطق (المعادي، وسط البلد، دار السلام، زهراء المعادي)، لتوثيق بيئة عمل "طياري الدليفري"، وما تم رصده لم يكن مجرد شكاوى عابرة، بل نمطًا ممنهجًا للتنصل من المسؤولية.

في أولى محطات التقصي، التقينا الشاب حسن محمود، الذي انضم حديثًا لإحدى كبرى شركات التوصيل عبر مكتب تشغيل، ويعمل يوميًا ما يقرب من 8 ساعات بناءً على "نظام الشيفتات" المتاح عبر التطبيق، بينما يقتصر التأمين المتاح له على "تأمين ضد الحوادث" الذي يضمن لعائلته 120 ألف جنيه في حال وفاته، وهو رقم يبدو كتعويض نهائي للتخلص من أي التزام لاحق.

يتأكد الأمر بشهادة علاء عبدالناصر، الذي يعمل بالشركة منذ عام؛ حيث كشف عن آلية الاستقطاع المالي قائلًا: "ندفع 37 جنيهًا أسبوعيًا لمكتب التشغيل كتأمين ضد الحوادث، لكن عند الإصابة، يكتفي المكتب بالمساهمة بجزء بسيط من تكاليف العلاج والأشعة، بينما أتحمل أنا الباقي".

ويضيف علاء حقيقة صادمة عن بروتوكول الشركات عند وقوع كارثة: "في حالة وفاة الطيار، تكتفي الشركة بإغلاق حساب الـ (ID) الخاص به على التطبيق، وتستبدله فورًا بشاب آخر، دون أدنى مسؤولية تجاه أسرته".
“في حالة وفاة الطيار، تكتفي الشركة بإغلاق حساب الـ (ID) الخاص به على التطبيق، وتستبدله فورًا بشاب آخر..”شهادة أحد عمال التوصيل
يتقاضى محمد إبراهيم (طالب جامعي يعمل بنظام العمل الجزئي) نحو 33 جنيهًا عن كل طلب "أوردر"، إلا أن هذا الرقم خادع؛ إذ يضطر لاقتطاع نفقات البنزين، وصيانة الدراجة، والطعام منه، ليعود في نهاية يومه بفتات لا يتناسب مع حجم المخاطرة.

ويؤكد عامل التوصيل أن التأمين الطبي، إن وُجد، لا يرافقه أي غطاء للتأمينات الاجتماعية.
أما سيد درويش (38 عامًا)، فقد كشف وجهًا آخر للاستغلال بعد أن وثق تعرضه لحادث مروري، ليكتشف أن المستشفيات المتعاقدة مع الشركة تفرض أسعارًا مبالغًا فيها تفوق ما يغطيه "تأمين الشركة" المزعوم، ما اضطره للجوء إلى مستشفى "القصر العيني" الحكومي هربًا من الديون.

لا يقف الاستغلال عند حاجز الإصابة، بل يمتد لتحميل العامل خسائر رفض العملاء للطلبات؛ إذ يضطر الطيار لدفع ثمن الطلب من جيبه الخاص، منتظرًا استرداد أمواله من الشركة في عملية قد تطول، أو تُخصم، أو لا تُسترد أبدًا، ما يجعل تعامل الشركة مع العمال شبيهًا بمعاملة العبيد، بحسب وصفه.
للتحايل على الالتزامات المباشرة، تلجأ المنصات الرقمية إلى "مكاتب التشغيل" لأداء دور المقاول من الباطن، ويوضح الجدول التالي الفجوة بين الوضع القانوني المفترض والواقع الميداني الموثق.
| معيار العمل | الواقع الموثق لشركات التوصيل ومكاتب التشغيل | الواقع القانوني المفترض |
|---|---|---|
| صفة العامل | يُصنف "شريكًا مستقلًا" أو "مقدم خدمة" | عامل يخضع لإدارة وإشراف الشركة |
| التأمين الاجتماعي | معدوم كليًا | إجباري ومُلزم للشركة |
| التأمين الطبي | استقطاع أسبوعي، وتغطية جزئية في حالة الحوادث فقط | تغطية طبية شاملة وحماية من إصابات العمل |
في سعينا لمعرفة حجم الكارثة، اصطدمنا بغياب الإحصاءات الرسمية؛ إذ يؤكد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، عبد المنعم الجمل، عدم وجود حصر دقيق لأعداد طياري الدليفري، مقدرًا إياهم بمئات الآلاف.
ويعترف الجمل بوجود "فجوة كارثية" بين جهد العمال ومستوى حمايتهم، موضحًا أن الشركات تتلاعب بالألفاظ عبر تسمية العامل "شريكًا" للتهرب من العقود.

وشدد على أن شركات التوصيل تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة، حتى في غياب العقود؛ نظرًا لاستفادتها المباشرة من جهودهم وإدارتها لحركتهم.
شركات التوصيل تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة، حتى في غياب العقود، نظرًا لاستفادتها المباشرة من جهودهم وإدارتها لحركتهم
رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر
من جهتها، تحاول وزارة العمل التحرك في مساحات التوعية؛ حيث كشف مصدر مسؤول بالوزارة لـ"تليجراف مصر" (فضل عدم ذكر اسمه) عن إطلاق حملات مثل "سلامتك تهمنا"، وعقد اجتماعات مع شركات التوصيل لبناء قاعدة بيانات، والبدء في إجراءات لتقنين أوضاعهم خلال الفترة القادمة، ورغم هذه التحركات يظل التنفيذ الفعلي على الأرض غائبًا.

هل يترك القانون المصري هؤلاء العمال بلا حماية؟ الخبير القانوني والمحامي بالنقض، عمرو عبد السلام، ينفي ذلك، مؤكدًا أن قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 حسم هذا الجدل، واعتبر طياري الدليفري "عمالًا رسميين تابعين" للمنصات الرقمية؛ نظرًا لعملهم تحت إشرافها وإدارتها، مُجردًا الشركات من حجة "العمل المستقل".

ويؤكد عبد السلام أن القانون يُلزم أصحاب العمل بإبرام عقود كتابية، وتوفير مظلة تأمينية كاملة، ولحين صدور القرارات التنفيذية، يحق للعامل إثبات علاقة العمل بكل طرق الإثبات مثل (شهادة الشهود أو سجلات التطبيق) للمطالبة بحقوقه في حالات الإصابة أو الفصل التعسفي.
القانون يُلزم أصحاب العمل بإبرام عقود كتابية، وتوفير مظلة تأمينية كاملة، ولحين صدور القرارات التنفيذية، يحق للعامل إثبات علاقة العمل بكل طرق الإثبات
عمرو عبد السلام
الخبير القانوني والمحامي بالنقض
الأثر لا يتوقف عند معاناة العمال، بل يمتد لاقتصاد الدولة؛ إذ تحذر خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، الدكتورة هدى الملاح، من أن غياب العقود الرسمية يحول هذا القطاع الحيوي إلى جزء من "الاقتصاد غير الرسمي".

وتوضح الملاح أن هذا التهرب يحرم خزانة الدولة من إيرادات ضخمة تتمثل في الضرائب والتأمينات، فضلًا عن تحميل الدولة أعباء مضاعفة لعلاج هؤلاء العمال في المستشفيات الحكومية عند إصابتهم، ما يستنزف الموازنة العامة، ويضع ضغوطًا إضافية على برامج الدعم.
وتؤكد أن تقنين هذا القطاع يُحقق إيرادات ثابتة لصناديق التأمين، ويدمج شريحة ضخمة من الشباب في الاقتصاد الرسمي، ما يتيح لهم الوصول إلى الخدمات المصرفية والتمويل والقروض.
إعمالاً لمبدأ الحياد والمواجهة، تواصلت "تليجراف مصر" مع إدارة إحدى كبرى شركات التوصيل العاملة في السوق المصري، والتي استندت إليها غالبية شهادات العمال في هذا التحقيق، لعرض الملاحظات الموثقة حول علاقات العمل، والتهرب من التأمينات، وتحميل العمال للخسائر المالية.
إلى متى تستمر منصات التوصيل في مراكمة الأرباح على حساب عمال "الدليفري"؟

إلا أن الشركة التزمت الصمت، وامتنعت عن الرد على أي من استفساراتنا المتكررة، ليبقى التساؤل مفتوحًا: إلى متى تستمر منصات التوصيل في مراكمة الأرباح على حساب أمن وسلامة شباب ليس لهم ذنب سوى السعي لكسب لقمة العيش في شوارع لا ترحم؟

اقرأ أيضًا:
الضحية عامل دليفري.. مشادة بسبب السير عكس الاتجاه تنتهي بجريمة ببنها
22 سبتمبر 2026 10:09 ص
21 سبتمبر 2026 04:27 م
20 سبتمبر 2026 02:06 م
20 سبتمبر 2026 08:22 م
20 سبتمبر 2026 06:03 م
19 سبتمبر 2026 09:58 م
19 سبتمبر 2026 01:59 م
19 سبتمبر 2026 02:36 م
أكثر الكلمات انتشاراً