الثلاثاء، 02 يونيو 2026

12:08 ص

د. محمد فؤاد

قراءة في اجتماع الرئيس ورؤية مصر لمستقبل التعليم العالي والبحث العلمي

هناك مسؤولون يمرون على المناصب، وهناك مسؤولون تترك المناصب أثرها في سيرتهم، لكن القليل فقط هم الذين يتركون أثرهم في المنصب ذاته.

 ومن بين هؤلاء يأتي الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومحافظ الإسكندرية الأسبق، وأحد النماذج التي تقدم تعريفًا مختلفًا لمعنى رجل الدولة في مصر الحديثة.

لذلك، عندما تابعت الاجتماع الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء والدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، لم أتعامل معه باعتباره مجرد اجتماع رسمي لمتابعة ملفات حكومية، بل رأيته انعكاسًا لرؤية دولة تراهن على العلم والمعرفة والابتكار باعتبارها أدوات بناء المستقبل.

فالملفات التي طُرحت خلال الاجتماع، من تحويل مصر إلى مركز إقليمي ودولي للتعليم العالي والبحث العلمي، وربط البحث العلمي بالصناعة، وتطوير اقتصاد المعرفة، وتصدير التعليم المصري، ليست مجرد عناوين تنفيذية، بل مشروع دولة متكامل تسعى القيادة السياسية إلى ترسيخه كأحد أهم مسارات الجمهورية الجديدة.

وربما لأنني عرفت الدكتور عبد العزيز قنصوة عن قرب منذ سنوات طويلة، فقد استوقفتني تفاصيل هذا الاجتماع بشكل خاص. 
فقد عرفته منذ أن كان عميدًا لكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، وكان وقتها نموذجًا مختلفًا للقيادة الأكاديمية، قريبًا من الطلاب، حاضرًا بين الشباب، مؤمنًا بأن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل منصة لصناعة المستقبل.

وأتذكر جيدًا حرصه الدائم على التواصل مع شباب الجامعة ومشاركته لهم في الفعاليات والأنشطة المختلفة، وكان مشهد مشاركته في الماراثون الجامعي رسالة عملية بأن القيادة الحقيقية لا تُمارس من خلف المكاتب، بل من خلال التواجد وسط الناس والاستماع إليهم والعمل معهم.

وعندما تولى مسؤولية محافظة الإسكندرية، تشرفت بالعمل معه مستشارًا إعلاميًا عقب عودتي من الولايات المتحدة الأمريكية واتجاهي للعمل في مجالات التسويق السياسي وإدارة الصورة الذهنية والاتصال المؤسسي، وكانت تلك التجربة المهنية والإنسانية كاشفة للكثير من جوانب شخصية الرجل.

كان الدكتور قنصوة أول من آمن بي وبقدراتي المهنية، وأول من منحني الفرصة للعمل بفكر مختلف يعتمد على التخطيط والقياس وتحقيق النتائج. 
تعامل بعقلية أقرب إلى القطاع الخاص داخل منظومة العمل الحكومي، وكان هدفه بناء نموذج حديث للإدارة والاتصال المؤسسي وتطوير منظومة الإعلام بمحافظة الإسكندرية.

وخلال فترة عملي معه، أدركت أنني أمام نموذج فريد من رجال الدولة المصرية. رجل لا ينشغل كثيرًا بالضجيج أو حملات الهجوم أو الحسابات الشخصية، بقدر ما ينشغل بتحقيق الأهداف التي تخدم الدولة المصرية. كانت بوصلته دائمًا مصلحة الوطن، وكان مؤمنًا بأن المسؤول الحقيقي يُحاسب على ما ينجزه لا على ما يقال عنه.

ولهذا لم يكن يخاف على المنصب بقدر ما كان يخاف من عدم تحقيق المستهدفات التي وضعتها الدولة. لم يكن أسيرًا لحسابات البقاء، بل كان منحازًا لفكرة الإنجاز، وهي سمة أصبحت نادرة في زمن تتداخل فيه المصالح الشخصية مع المسؤوليات العامة.

ومن هنا، فإنني أرى أن الاجتماع الأخير مع القيادة السياسية يعكس بوضوح حجم الثقة التي تحظى بها رؤية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كما يكشف عن مشروع وطني كبير يقوده الوزير بهدف بناء اقتصاد قائم على المعرفة وربط الجامعات بالصناعة وتحويل البحث العلمي إلى قوة إنتاجية حقيقية.

لقد كانت الإسكندرية عبر تاريخها مدينة ولّادة للنماذج المضيئة في العلم والثقافة والفنون والسياسة والفكر، وستظل كذلك. 

والدكتور عبد العزيز قنصوة أحد هذه النماذج التي نفخر بها، ليس لأنه شغل مناصب مهمة، بل لأنه استطاع أن يحافظ على جوهر رجل الدولة الذي يرى في المنصب مسؤولية تجاه الوطن لا امتيازًا شخصيًا.

وفي تقديري، فإن الدول لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى بالعقول القادرة على تحويل الرؤى إلى واقع، وبالقيادات التي تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار والإصرار على تحقيق النتائج. ولذلك فإن وجود الدكتور عبد العزيز قنصوة في قلب مشروع تطوير التعليم العالي والبحث العلمي ليس مجرد تكليف وزاري، بل جزء من رؤية أوسع لبناء مستقبل مصر الذي تضعه القيادة السياسية اليوم على رأس أولوياتها.

search