عنتيل الشرقية.. والرجل الذي ابتلع الحبة الحمراء!
شهدت السنوات الماضية زيادة معدلات حوادث العنف ضد النساء بصورة لافتة، بلغت ذروتها في الأشهر القليلة الأخيرة.. يبدو الأمر غريبا على المجتمع المصري، ولكن الأكثر غرابة حقًا هو التهليل والتشجيع لمرتكب العنف - وإن كان قاتلًا ما دام المقتول امرأة- من قبل الكثير من رواد التواصل الاجتماعي من الشباب، إذ تعجّ "السوشيال ميديا" في الوقت الحالي بعبارات الكراهية الموجهة نحو النساء، حتى أصبحت تبدو وكأنها ممنهجة تحت مظلة عقل جمعي ذي أيديولوجية معينة تسرطنت في عقول الشباب.
استقرت مصطلحات معينة أصبح يستخدمها القاصي والداني، الكبير والصغير، المتعلم والجاهل، على حد السواء، بنفس الطريقة وبالأسماء ذاتها.. "ألفا – دولي – سيمب – مثقوبة" جميعها تنبثق من المصدر ذاته.. إنه "الحبة الحمراء" أو "الريدبيل".. فما هي تلك الحبة التي يبتلعها الرجال فيتحولون إلى قطعان منقادة تصبّ غضبها على جميع نساء الأرض بما فيهن أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم؟!
بدأت الحكاية في أكتوبر 2012، بولاية نيوهامبشير الأمريكية، حيث قرر روبرت فيشر - سياسي وعضو سابق في مجلس النواب الأمريكي استقال من منصبه بعد انكشاف أمره- تأسيس منتدى فرعي صغير على موقع "ريديت"، يحمل اسم “The Red Bill" أو "الحبة الحمراء". وهو أحد أشهر المنتديات المرتبطة بما يُعرف بـ"المانوسفير" "Manosphere" وأفكار حقوق الرجال والعلاقات بين الجنسين.
لم يكن فيشر يعلم وقتها أن هذه الخطوة ستكون حجر الأساس لولادة واحدة من أكثر الحركات الرقمية عنفًا في القرن الحادي والعشرين. ولم يكن يخطر بباله أن تلك الحركة ستشق طريقها إلى المجتمعات العربية الإسلامية، إذ أن "الريدبيل" وُلدت في عمق البيئة الثقافية لأمريكا الشمالية، وتغذت على أفكار هدفها الأول هو أن تقدم للعالم أيديولوجية علمانية مادية بحتة، ترفض بشكل قطعي المرجعيات الدينية، وتستبدلها بما تسميه "الواقعية البيولوجية التطورية"، وتناهض بشكل أساسي الحركات النسوية في الغرب .
فما هي أهم ملامح وأُسس تلك الحركة الغربية اللادينية؟ وما علاقتها بجرائم العنف ضد النساء؟ وما الرابط بينها وبين "عنتيل الشرقية" وغيره ممن أصبح المجتمع يطلق عليهم لفظ "عناتيل" وكأنه تمجيد للزاني ما دام "ذكر"؟!
في ثقافة "الريدبيل"، لا يُنظر إلى الجنس كفعل يعبر عن الحب المتبادل أو التواصل الإنساني، فتلك الأيديولوجية لا تقف عند حدود العنف الاجتماعي، بل تتجاوزها إلى تبني عقيدة أساسها ازدراء المرأة بل وتحقير فعل الجنس نفسه، مجردين إياه من أبعاده الإنسانية والعاطفية والتكاملية، وتحويله إلى مجرد أداة للسيطرة فيها طرف فاعل "الذكر"، وطرف مفعول به "الأنثى".
في أدبيات تلك الحركة، يتم اختزال المرأة في قالب بيولوجي نفعي يُعرف بـ "الفرط المتعاظم" أو "Hypergamy"، حيث يُنظر إليها ككائن مبرمج غريزيًا على النرجسية، والانتهازية، والبحث المستمر عن الرجل الأكثر مالًا وقوة، حتى وإن كانت متزوجة بالفعل، فهناك اتهام دائم للنساء بالانفلات الأخلاقي والعهر، والبحث عن الزواج القائم على المنفعة المادية، مع الخيانة الحتمية لهذا الزوج مع الرجل "الألفا".
الغريب في هذا الفكر السام، أنه لا يستثني أحدًا. فالرجل الذي يتجرع "الحبة الحمراء" يطلق أحكام العهر والنظرة الدونية على كافة النساء بلا تمييز، حتى أمه وأخواته الإناث، باعتبارهن خاضعات لنفس "البرمجة البيولوجية"، وفقًا لتلك الأيديولوجية المجردة من الدين والإنسانية.
على خلاف ذلك، لا يُنظر إلى تعدد العلاقات الجنسية للرجل كعيب أخلاقي، بل يُحتفى به كدليل على القيمة السوقية العالية للرجل الذي يطلقون عليه "ألفا".
الرجل الزاني أو "العنتيل" أو "الألفا" عندهم هو الأيقونة، فهو الرجل الذي يتربع على رأس الهرم الاجتماعي والبيولوجي، لأنه قوي، واثق، غني، لا يبالي بمشاعر النساء، ويركز فقط على أهدافه الشخصية. فضلًا عن ذلك، فإنه يمتلك كاريزما تجعل النساء ينجذبن إليه تلقائيًا وحتميًا دون بذل مجهود للاستفادة من قوته وجيناته، وفقًا لأيديولوجيتهم.
تجرأت ثقافة الريدبيل على الثوابت الدينية بشكلٍ فج، لتحول الرجل متعدد العلاقات غير الشرعية من خانة "الزاني" في الميزان الشرعي، إلى رتبة "البطل الفاتح" والـ "عنتيل" الذي تُحاك حوله أساطير الفحولة والذكورة الزائفة.
من هنا جاءت تعليقات السوشيال ميديا لتمجد "عنتيل" الشرقية الشاب الصغير الذي تمكن من الزنا بـ 20 فتاة دون أن يدفع مهرًا أو تقع عليه أية كُلفة مادية، في محاولةٍ منهم لإثبات عُهر جميع النساء وافتتانهن بالرجل "الألفا" متعدد العلاقات. كما وصل حد الارتياب لديهم إلى الدعوة لتجنب الزواج من محافظة الشرقية، بل وتجرأ الكثير منهم للمطالبة بكشف عذرية عند الإقدام على خطبة أي فتاة من باقي المحافظات ليصل أمرهم حد الشك غير العقلاني وطعن كرامة ملايين الفتيات!!! في حين احتفى العديد منهم بفعل "العنتيل" الذي نال الجنس بالمجان!!!!
في المجتمعات الغربية، وعندما بلغت حركات "الريدبيل" حد التهديد الأمني والنفسي، صنفت مراكز حقوقية غريبة، مثل "Southern Poverty Law Cente"، هذه المجموعات كمنصات لإنتاج خطاب الكراهية ضد النساء، حيث ترجم هذا الفكر المتطرف نفسه ميدانيًا في جرائم عنف جماعي دموية نفذها شباب ينتمون لثقافة الـ "Incels" - وهي الامتداد الأكثر راديكالية للحركة - مثل حادثة "إليوت رودجر" في كاليفورنيا والتي راح ضحيتها عدد من النساء والرجال أيضًا، وكذلك هجمات مشابهة في كندا وبريطانيا.
الأمر المثير أنه في تلك الحوادث، كان دافع الجناة المعلن هو الانتقام من النساء والرجال على حد السواء!!! على سبيل المثال، أعلن إليوت رودجر - قبل انتحاره - أن سبب جرائمه هو غضبه من النساء اللاتي شعر أنهن رفضنه، ومن الرجال الذين كانوا يعيشون علاقات عاطفية وجنسية كان يحسدهم عليها، لذا قام بقتل أفراد من الجنسين على حد السواء.
وبذلك يتضح أن حركة "الريدبيل" لم تنل من النساء فقط، بل امتدت سمومها لتتسبب في أزمة نفسية حادة بين الشباب أنفسهم، منتجةً جيلًا غارقًا في العزلة الاجتماعية، والاكتئاب، والنظرة العدمية السوداوية تجاه المستقبل، لتتحول طاقاتهم من السعي لتطوير الذات وبناء علاقات صحية، إلى الغرق في مشاعر الغضب، وجلد الذات، ولوم المجتمع.
ما بين عامي 2018 و 2020، وعندما عبرت تلك الأيديولوجية البحر الأبيض المتوسط لتستقر تحديدًا في مصر ودول شمال إفريقيا، خضعت لعملية إعادة تدوير خبيثة لتناسب البيئة المحلية.
بعكس منشئها الغربي اللاديني، قام المحتوى العربي بلي نصوص الشريعة مثل القوامة، والتعدد، والطاعة، لشرعنة أفكار "الريدبيل"، مما جعلها تبدو للشباب كأنها "دفاع عن الدين والهوية" في وجه النسوية الغربية الوافدة، في مفارقة ساخرة تفضح جهل الشباب بأصل نشأة تلك الحركة الغربية العلمانية.
تزامن هذا الغطاء الديني مع استغلالٍ ممنهج للأزمات الاقتصادية المحلية والعالمية، إذ ركز الخطاب المحلي على تكاليف الزواج الباهظة وقوانين الأسرة والطلاق، مستغلًا إحباط الشباب العاجز ماديًا، ليقنعهم بأن المنظومة والمجتمع والنساء يتآمرون ضدهم. ولم يقف هذا التغلغل عند حدود الجدال الافتراضي، بل تُرجم إلى عنف سلوكي مقلق.. بدأ بشن حملات تنمر إلكتروني، وصولًا إلى وقوع جرائم عنف جسدي بالشوارع في حوادث غريبة على المجتمع المصري، لتمتد إلى جرائم قتل متعددة بين الأزواج أو ضد فتيات قابلن طلب زواج بالرفض.
في الغرب ، خاضت النساء والمؤسسات الحقوقية والقانونية معارك شرسة تُرجمت إلى إجراءات عقابية وقضائية صارمة، إذ أن تمدد "الحبة الحمراء" لم يقف عند الحدود الأمريكية، فسرعان ما ضربت شظاياه بريطانيا، وكندا، وأستراليا، وحتى عمق فرنسا وألمانيا، وذلك عندما تداخلت الأيديولوجية الذكورية مع تيارات اليمين المتطرف القومي.
وفي المقابل، جاءت ردود الأفعال في مصر والدول العربية مغايرة في طبيعتها للمواجهة الغربية، إذ غلب عليها الطابع الفكري والمجتمعي بدلًا من الملاحقة الأمنية المباشرة للمصطلح بذاته. فقد خاضت المؤسسات الدينية الرسمية - وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية - معارك تفكيك شرعية لدحض التفسيرات المتطرفة لنصوص القوامة والطاعة التي تتستر خلفها الحركة، مؤكدةً على قيم المودة والرحمة بين الزوجين.
وفي الوقت ذاته، نشطت المجالس القومية والجمعيات الحقوقية في مصر وشمال إفريقيا لإطلاق حملات توعيةٍ تناهض العنف والتنمر الإلكتروني ضد النساء، في حين تحركت الجهات القضائية من خلال "قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية" لضبط ومحاكمة عدد من صناع المحتوى المحرضين على العنف الأسري والمجتمعي.
وختامًا.. هل يستفيق الشباب المصري؟! أم يستمر مسلسل الانسياق وراء جماعات لادينية متطرفة تم اقتلاع خبثها بالفعل من موطن نشأتها، لتنتقل إلى المجتمعات العربية الأسيرة لعقلية القطيع؟! هل نلتزم بالأمر الإلهي "اقرأ" لنقرأ ونتدبر ونفهم؟! هل نكسر قوالب منهجية القطعان ونتحرر من التبعية العمياء لأفكار أشخاص لا يعبرون عنا بشكل حقيقي؟! أما آن الوقت لنقرأ ونعي وننقذ ما تبقى لنا؟!!
الأكثر قراءة
-
من قبلة على القدم إلى اتهامات بالخطف.. حكاية سعد الصغير والراقصة شمس ونخنوخ
-
سعر الدولار في مصر اليوم الخميس 11 يونيو 2026.. ارتفاع جديد
-
معلومات لا تعرفها عن نسمة الخطيب التي أثارت الجدل بـ"الجنس التجاري"
-
لتقنين الأوضاع.. الكهرباء تعلن مفاجأة سارة لأصحاب العدادات الكودية
-
مشاهدة حفل افتتاح كأس العالم 2026 مباشر مجانًا
-
بعد خروجه من البنك.. ضبط 3 متهمين بخطف حقيبة أموال مقاول في الجيزة
-
موعد حفل افتتاح كأس العالم 2026 والقنوات الناقلة
-
متى ينتهي كأس العالم 2026؟.. الموعد الرسمي للنهائي ونظام البطولة
أكثر الكلمات انتشاراً