السبت، 13 يونيو 2026

12:03 ص

من سرير الموت للمونديال.. كيف تخطى راؤول خيمينيز ليلة توقف فيها الزمن؟

راؤول خيمينيز

راؤول خيمينيز

في كرة القدم، اعتدنا أن نصف بعض القصص بأنها “أشبه بالأفلام”، لكن قليلًا جدًا ما نجد قصة تبدو مستحيلة بكل تفاصيلها مثل قصة راؤول خيمينيز.

 هناك لاعبون تُقاس قيمتهم بعدد الأهداف التي يسجلونها أو البطولات التي يحققونها، وهناك لاعبون آخرون تتحول مسيرتهم إلى قصة إنسانية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، راؤول خيمينيز ينتمي إلى الفئة الثانية.

 فالمهاجم المكسيكي لم يخض رحلة عادية نحو المجد، بل سار في طريق مليء بالانكسارات والشكوك والخوف، حتى وصل إلى لحظة اعتقد كثيرون أنها لن تأتي أبدًا.

في نوفمبر 2020، كان العالم يشاهد لاعبًا فاقدًا للوعي يُنقل على نقالة بعد إصابة مروعة في الجمجمة، بينما تساءل الجميع عما إذا كان سيتمكن من العودة إلى ممارسة كرة القدم من الأساس.

وبعد سنوات قليلة، وقف اللاعب نفسه أمام جماهير ملعب أزتيكا ليسجل هدفه الأول في كأس العالم، ويرفع يديه احتفالًا بانتصار لم يكن رياضيًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا.

موهبة ترى النور

وُلد راؤول ألونسو خيمينيز رودريجيز في الخامس من مايو عام 1991 بمدينة تيبيخي في ولاية هيدالجو المكسيكية.

 منذ سنواته الأولى، ارتبطت حياته بكرة القدم، وانضم إلى أكاديمية نادي أمريكا، أحد أكبر الأندية في البلاد وأكثرها جماهيرية.

داخل قطاع الناشئين، أظهر خيمينيز شخصية مختلفة عن بقية المهاجمين في سنه، امتلك بنية جسدية قوية، وقدرة مميزة على اللعب الهوائي، إلى جانب هدوء لافت أمام المرمى، ولم يكن مجرد مهاجم صندوق، بل لاعب يستطيع صناعة الفرص لزملائه، والاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، والمشاركة في بناء الهجمات.

عندما حصل على فرصته مع الفريق الأول عام 2011، استغلها سريعًا، بدأ في فرض نفسه داخل التشكيل الأساسي، وتطور مستواه موسمًا بعد الآخر، حتى أصبح أحد أهم لاعبي أمريكا الشمالية وأكثرهم تأثيرًا.

وتحول خيمينيز إلى إحدى أبرز المواهب المكسيكية، ساهم في التتويج بلقب الدوري المكسيكي عام 2013، وقدم مستويات جعلته محل اهتمام العديد من الأندية الأوروبية.

أتلتيكو مدريد.. الحلم الذي تحول إلى اختبار قاسٍ

في صيف عام 2014، انتقل خيمينيز إلى أتلتيكو مدريد، في صفقة أثارت اهتمامًا كبيرًا داخل المكسيك، فاللعب تحت قيادة دييجو سيميوني وفي فريق ينافس ريال مدريد وبرشلونة كان خطوة ضخمة في مسيرته، لكن الأمور لم تسر كما تخيلها الجميع.

وجد خيمينيز نفسه وسط منافسة شرسة على مركزه، ولم يحصل على دقائق لعب كافية لإظهار إمكانياته الحقيقية.

واكتفى بهدف واحد فقط طوال الموسم، وتحولت التجربة التي كانت تبدو بوابة نحو النجومية الأوروبية إلى مرحلة شك قاسية.

وبدأت التساؤلات تظهر حول قدرته على النجاح خارج المكسيك، لكن اللاعب لم يسمح لتلك التجربة بأن تحدد مستقبله.

انتقل خيمينيز إلى بنفيكا البرتغالي بحثًا عن بداية جديدة، وهناك أعاد اكتشاف نفسه من جديد.

في البرتغال، وجد المدرب الذي منحه الثقة، والجماهير التي منحته الوقت، والنادي الذي سمح له بالتطور بعيدًا عن الضغوط الهائلة التي عاشها في إسبانيا.

حقق لقب الدوري البرتغالي مرتين، وفاز بالكأس وكأس الرابطة، وتألق في دوري أبطال أوروبا أمام أندية كبرى مثل بايرن ميونخ. ومع كل مباراة، كان يثبت أن ما حدث في أتلتيكو لم يكن فشلًا، بل مجرد محطة ضرورية لصقل شخصيته.

وولفرهامبتون.. المكان الذي صنع أسطورته

عندما انتقل إلى وولفرهامبتون عام 2018، لم يكن كثيرون يتوقعون أن يصبح أحد أهم اللاعبين في تاريخ النادي الحديث، لكن خيمينيز فاجأ الجميع.

منذ موسمه الأول، أصبح النجم الأول للفريق، سجل أمام كبار الدوري الإنجليزي، وقاد النادي إلى مراكز متقدمة، وساهم في عودته للمنافسات الأوروبية.

لم يكن تأثيره مقتصرًا على الأهداف فقط، بل امتد إلى شخصيته القيادية داخل الملعب. كان يقاتل في كل كرة، ويضغط على المدافعين، ويمنح زملاءه الثقة، بالنسبة لجماهير وولفرهامبتون، لم يعد مجرد لاعب محترف، بل أصبح رمزًا للفريق.

الليلة التي توقف فيها الزمن

في التاسع والعشرين من نوفمبر 2020، استضاف وولفرهامبتون نظيره أرسنال في مباراة بالدوري الإنجليزي.

بعد دقائق قليلة من البداية، ارتقى خيمينيز لكرة مشتركة مع المدافع البرازيلي ديفيد لويز، بدا المشهد عاديًا في البداية، قبل أن يتحول خلال ثوانٍ إلى أحد أكثر المشاهد رعبًا في ملاعب كرة القدم.

اصطدمت الرأس بالرأس بقوة هائلة، وسقط خيمينيز أرضًا فاقدًا للوعي، وساد الصمت داخل الملعب، وظهرت علامات الصدمة على وجوه اللاعبين والجماهير، زهرع الأطباء لإنقاذه، قبل نقله إلى المستشفى بشكل عاجل.

كشفت الفحوصات عن إصابته بكسر في الجمجمة، وخضوعه لجراحة دقيقة لإنقاذ حياته.

في تلك اللحظات، لم يعد السؤال متعلقًا بكرة القدم، بل كان الجميع يتمنى فقط أن ينجو اللاعب ويعود إلى أسرته سالمًا.

أشهر من الخوف والشك

قضى خيمينيز أشهرًا طويلة بعيدًا عن الملاعب، وخضع لبرامج علاج وتأهيل مكثفة، لكنه واجه أيضًا معركة نفسية لا تقل صعوبة عن المعركة الطبية. 

كان عليه أن يتجاوز الخوف من الاحتكاكات، وأن يستعيد ثقته في جسده، وأن يقتنع بأنه قادر على العودة إلى ممارسة اللعبة التي كادت تودي بحياته.

زاعترف لاحقًا بأنه عاش لحظات صعبة للغاية، وأنه فكر كثيرًا في مستقبله، خاصة مع تحذيرات الأطباء والمخاوف الطبيعية التي صاحبت إصابة بهذا الحجم.

كان يعلم أن عودته لن تكون مجرد قرار فني، بل قرارًا مصيريًا يتعلق بحياته بأكملها، وعندما عاد إلى الملاعب في صيف 2021، ظهر خيمينيز مرتديًا واقيًا خاصًا للرأس.

تحولت تلك الخوذة إلى جزء من صورته في أذهان الجماهير حول العالم، بالنسبة للبعض كانت تذكيرًا بالإصابة المروعة، لكنها بالنسبة له كانت دليلًا على الانتصار. لقد عاد إلى ممارسة كرة القدم بعدما كان كثيرون يعتقدون أن مسيرته انتهت.

عاد ليسجل الأهداف من جديد، ويقاتل داخل منطقة الجزاء بنفس الشجاعة التي عرف بها طوال مسيرته.

 إثبات جديد

انتقل خيمينيز إلى فولهام عام 2023، وسط شكوك حول قدرته على استعادة مستواه السابق، لكن المهاجم المكسيكي أثبت مرة أخرى أنه لا يستسلم بسهولة.

استعاد حسه التهديفي، وسجل أهدافًا مهمة، ووصل إلى حاجز المئة هدف في الملاعب الأوروبية، ليضع اسمه بجوار أعظم المهاجمين المكسيكيين الذين احترفوا خارج بلادهم.

وبينما كان البعض يعتقد أن أفضل سنواته أصبحت خلفه، كان هو يثبت أن لديه المزيد ليقدمه.

وفي صيف 2026، عاد خيمينيز إلى وولفرهامبتون بعد انتهاء عقده مع فولهام، ولم تكن مجرد صفقة انتقال عادية، بل كانت عودة ابن محبوب إلى النادي الذي شهد أجمل لحظات تألقه وأصعب لحظات سقوطه.

استقبلته الجماهير بحفاوة كبيرة، لأنه بالنسبة لها لم يكن مجرد هداف سابق، بل أحد أعظم الشخصيات التي ارتدت قميص النادي خلال العصر الحديث.

وعلى المستوى الدولي، عاش خيمينيز مسيرة استثنائية مع منتخب المكسيك، فاز بالميدالية الذهبية في أولمبياد لندن 2012، وتوج بالكأس الذهبية مرتين، وساهم في تحقيق لقب دوري أمم الكونكاكاف، وسجل عشرات الأهداف التي وضعته بين أعظم هدافي المنتخب عبر التاريخ.

شارك في نسخ متعددة من كأس العالم، وارتدى قميص بلاده، وظل دائمًا أحد القادة الذين تعتمد عليهم الجماهير المكسيكية.

ورغم كل تلك الإنجازات، ظل هناك حلم صغير يطارده هو التسجيل في المونديال

أخيرًا.. الهدف الذي انتظره اثني عشر عامًا

شارك راؤول خيمينيز في كأس العالم 2014 بالبرازيل، ثم نسخة روسيا 2018، وبعدها مونديال قطر 2022، لكنه لم ينجح في تسجيل أي هدف.

مرّت السنوات، وتقدمت به السن، وتعرض لأخطر إصابة في حياته، ومع ذلك ظل يؤمن بأن لحظته ستأتي، وفي الحادي عشر من يونيو 2026، جاءت تلك اللحظة أخيرًا.

أمام جماهير ملعب أزتيكا، سجل خيمينيز هدفه الأول في تاريخ مشاركاته بكأس العالم خلال فوز المكسيك على جنوب أفريقيا في افتتاح البطولة، ليبكي عقب الهدف مباشرة بعد موت والده قبل أيام من البطولة.

 

لم يكن الهدف مجرد إضافة إلى سجله الشخصي، بل كان تتويجًا لرحلة طويلة من الألم والإصرار والنجاة، انتصر راؤول خيمينيز على الخوف، وعلى الإصابة، وعلى كل التوقعات التي قالت إن قصته انتهت.

ولهذا السبب، ربما لن يتذكره الناس فقط باعتباره أحد أفضل المهاجمين في تاريخ المكسيك، بل باعتباره الرجل الذي سقط على أرض الملعب بين الحياة والموت، ثم نهض ليكتب بنفسه أجمل فصل في حكايته.

اقرأ أيضا

هاجس الهدف الرابع.. جوزيف إيلونجا صاحب أغرب واقعة في مونديال 1974


 

search