الخميس، 18 يونيو 2026

12:28 ص

الهجرة النبوية.. حين انتصر الإيمان على المستحيل

“إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.”

ليست الهجرة النبوية مجرد حدث تاريخي نحتفل بذكراه كل عام، وليست مجرد رحلة قطع فيها رسول الله ﷺ طريقًا بين مكة والمدينة، بل هي أعظم درس في اليقين والثبات والتضحية، وأبلغ رسالة لكل من يظن أن قوى الأرض قادرة على إطفاء نور الحق.

في اللحظات التي بدا فيها المشهد وكأن الدعوة قد حوصرت من كل جانب، اجتمعت قريش بكل قوتها وسلطانها لتغتال رجلًا واحدًا، لكنهم كانوا يواجهون إرادة الله. خرج النبي ﷺ من بين جموع المتربصين به، وهاجر تاركًا وطنه الذي أحب، وأهله الذين نشأ بينهم، لا ضعفًا ولا هروبًا، بل انتقالًا من مرحلة إلى مرحلة، ومن بناء الإنسان إلى بناء الدولة والحضارة.

وفي غار ثور، حيث انقطعت الأسباب البشرية، تجلت أعظم معاني الإيمان. كان العدو على بعد خطوات، وكان الخطر يحيط بالمكان من كل اتجاه، لكن كلمات النبي ﷺ الخالدة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: “لا تحزن إن الله معنا” كانت إعلانًا أبديًا أن المؤمن لا يقاس بما يملك من قوة، بل بما يملكه من يقين.

لقد علمتنا الهجرة أن النصر لا يأتي دائمًا سريعًا، وأن طريق الرسالات محفوف بالمشقة، لكن العاقبة للثابتين. علمتنا أن الأوطان تُبنى بالإخلاص والعمل، وأن الأمم العظيمة تبدأ بفكرة يؤمن بها أصحابها، ثم يدفعون ثمنها صبرًا وتضحية حتى ترى النور.

وحين اقترب رسول الله ﷺ من المدينة، لم يكن القادم مجرد رجل مهاجر، بل كان قائد أمة وصانع حضارة غيرت وجه التاريخ. خرجت القلوب قبل الأقدام لاستقباله، وتعالت الأصوات منشدة:

“طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع”

فكان ذلك الاستقبال إعلانًا لميلاد عهد جديد، انتقل فيه الإسلام من الاستضعاف إلى التمكين، ومن المعاناة إلى بناء مجتمع قائم على العدل والرحمة والإخاء.

إن ذكرى الهجرة اليوم تذكرنا بأن الأزمات مهما اشتدت فإن الفرج قريب، وأن الظلام مهما طال فإن الفجر قادم، وأن من كان الله معه فلن يغلبه أحد. فالهجرة لم تكن انتقال جسد من مكان إلى مكان، بل كانت هجرة من الخوف إلى الطمأنينة، ومن الضعف إلى القوة، ومن اليأس إلى الأمل.

وفي العام الهجري الجديد، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذه المعاني العظيمة؛ أن نهاجر من التقصير إلى الطاعة، ومن السلبية إلى العمل، ومن الفرقة إلى الوحدة، وأن نجعل من سيرة النبي ﷺ منهجًا للحياة لا مجرد ذكرى نرويها.

سلام على صاحب الهجرة، وسلام على رفيق الغار، وسلام على المدينة التي احتضنت نور الرسالة، وسلام على أمة ما زالت تستمد من الهجرة دروس الصبر والأمل واليقين بأن الله إذا أراد أمرًا هيأ له

search