هل لدينا في مصر معارضة أصلا؟
"على فكرة لو قدر لي يومًا ما إني أساهم في وضع لائحة حزب، مستعدة أحارب عشان يحطوا شرط في العضوية، إنها ما تقلش عن ٣٠ سنة، وإنه يكون سبق له العمل، اشتغل يعني وكل عيشه بعرق جبينه، اتذل زي بقية خلق الله اللي عايز يعمل عليها "طليعة" (!)
لم أجد ما يُعبر عما آلت إليه الحركة المدنية الديمقراطية باعتبارها الكيان صاحب النصيب الأكبر بوصفها كمعارضة -إذا كانت موجودة أصلا- خير من كلام الكاتبة اليسارية والمترجمة الراحلة أروى صالح في آخر أعمالها "المبتسرون .. دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية".
المُعارضة التي عاشت ونشأت بين صفوفهم وانخرطت في جيلهم منذ الستينيات وقررت أنها لن تخضع لابتزازهم وإرهابهم الديني "بتاع المتشيعين اليساريين" كما وصفتهم في كتابها، مازال إرثها موجودًا حتى الآن ويتصدر المشهد معارضون يُبكي حالهم كل من مَر عليهم ولا "صلاش على النبي".
الحركة منذ تأسيسها عام 2017 كان الهدف منها أن تكون كالملعب الكبير اجتمع فيها من هم في أقصى اليمين لأقصى اليسار حتى يجدوا حلولًا ويطرحوا بدائلًا لقضايا خلافية أو مسائل متعلقة بالحقوق والحريات، لكن الحقيقة باتت الحركة ومن انسحبوا منها لا يعوا ما هو الدور الذي تقوم به أصلا، أو بمعنى أدق وأكثر توضيحًا: أنا مش عارف هي الحركة المدنية بتعمل إيه؟ كما تساءل وذكر لي ذلك القيادي بحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي المحامي أحمد فوزي في تقرير كنت أعددته سلفا.
لكن بين ليلة وضحاها أصدرت الحركة بيانًا قضى على ما تبقى منها من إرث ولو كان صوريًا، وتضامنت مع أحد أعضائها لأن قصرًا له ستهدمه الدولة تصف حاله فيه كالذين فقدوا مساكنهم فلا مأوى لهم ولا ملجأ بعد الله سواها، فاهتزت جدران الحركة مما نالته بصفحتها على "فيسبوك" فحذفت البيان ثم اعتذرت عنه دون توضيح سبب صدوره من الأساس، وتبرأ منه الجميع. أصبح البيان يبحث عن أب له بعد أن فقدت الحركة ما تدافع به عن نفسها، حينما ساوت بين صاحب القصر والذين يمرون عليه كل يوم بحثًا عن الرزق، بئس ما فعلت فكشفت نفسها، وخيرا أنها قضت على نفسها دون عناء أو مبررات بأنها تتعرض لتضييق أدى بها إلى ما صارت إليه!
أصدرت أروى كتابها البديع وتحدثت فيه عن جيل من اليساريين كانت تعمل بين صفوفهم، وفى الكتاب وصفتهم بأنهم شلة معزولة عن الناس، وهو جيل صفقت له مصر كلها، وقبض ثمن وطنيته قبل أن يدفع ثمنها، وأفقده التدليل الرشد وصاروا زعماء بلا جمهور، كتبت ذلك النائبة والكاتبة أمينة النقاش في ذكرى أروى الثانية والعشرين في أغسطس 2019 في مقال لها عنها، وأتفق معها وأروى حينما ذكرت بأنها قدمت تراثًا يجب أن تحجده الأجيال القادمة، لكن يبدو أن الأجيال التي جاءت بعدها قررت إعادة التجربة في انتظار نتائج جديدة!
لم تفقد الحركة قدرتها على الفعل والتأثير فقط كما وصفها النائب عبد المنعم إمام رئيس حزب العدل؛ بل باتت كالميت الذي يجب إكرامه بدفنه كما ذكر، وقرر ومعه حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي تجميد العضوية من الحركة ثم الانسحاب بعد ذلك. فكيف لكل حزب منهم له هيئته البرلمانية بمجلسي النواب والشيوخ أن يظل في كيان يقدم نفسه متحدثا باسم المعارضة، وإذا بهم يدعمون أحد ملاك القصور التي بناها أحدهم على أرض ملك للدولة وفقا لبيان لحكومي؟ فإذا حكم له القضاء بأحقيته فيها فُمبارك له، وإن كان الحكم غير ذلك فعليه أن يُنفذ أولا الأحكام الصادرة ضده بحق من كانوا يعملون بمؤسسته منذ بضع سنوات من باب أولى وبمبدأ -بيدي لا بيد عمرو- حتى يستطيع أن يطالب بإعمال القانون الذي يريد تطبيق نصوصه وقواعده بأزمة تتعلق بإزالة وهدم قصره.
الحركة أيضًا بها حزب له رئيسين، تتباين الآراء حول أحقية أحدهم عن الآخر برئاسته في مشهد يؤكد على أن مصر خيبتها ليست في سلطة أو نظام سياسي بقدر ما هي في كيان وافق أن يكون من بين صفوفه حزب لا ديمقراطية فيه ولا حريات، لا يفقهون الفرق بين التصويت والنقاش وآليات عمل الأحزاب عن الائتلافات والحركات السياسية التي تنشأ كلما اقتضت الحاجة لوجودها. وفي سياق مغاير سهام النقد موجهة لأحزاب أخرى لها هيئات برلمانية كالإصلاح والتنمية والعدل والمصري الديمقراطي، على الأقل لدى كل حزب منهم ما يقدمه ولم يفقدوا القدرة على المحاولة بحثًا عن حلول، بعيدًا عن مزايدات لم تدفع بهم إلا في محرقة أمام الجميع، كشفت حقيقتهم دون عناء من أحد، نحن أكثر سلطوية من السلطة التي ننتقدها.
نحن كذلك وسنسعى لتجديد الدماء والهيكلة، عن أي هيكلة يتحدثون؟ جسد ميت لا أمل في علاج صاحبه، دفنه أولى والوقوف عند سبب الأزمة الحقيقي أهم وأبقى، وإذا كان من بينهم باحث عن مصلحة عامة قبل منفعة خاصة، إذا كان منهم من يأكل من عرق جبينه -واتذل زي بقية خلق الله- اللي عامل نفسه عليهم طليعة، فسيتم حل الأزمة وتنتهي المشكلة، وتضع المعارضة نفسها في مكانها الحقيقي والطبيعي، بأن السياسة ليست مصدرا للزرق والمعارضة ليست حماية من القفز على واقع الناس والتخفي خلف ستار الدفاع عنهم.
رحم الله أروى صالح ورحمنا وبلدنا
وآسف سامحوني طولت عليكم
الأكثر قراءة
-
واقعة مأساوية جديدة.. غرق شاب داخل حمام سباحة أثناء التدريب
-
"التارترازين".. كيف تفرق بين اللب المغشوش والطبيعي قبل الشراء؟
-
تتلف الحمض النووي.."التارترازين" كارثة صحية في اللب السوبر والسوداني
-
لحديثي التخرج.. تفاصيل أحدث وظائف في بنك القاهرة 2026
-
بعد تنفيذ حكم الإعدام عليها.. ماذا قالت نورهان خليل في تحقيقات مقـتل والدتها ببورسعيد؟
-
هل تم تغيير امتحان الثانوية العامة أثناء انعقاده؟.. التعليم ترد
-
تحذير عاجل بشأن سحب شقق الإسكان الاجتماعي 2026 من هذه الفئات
-
أهداف وملخص مباراة الجزائر والأردن في كأس العالم 2026
أكثر الكلمات انتشاراً