يوم انتصرت وجوه البسطاء.. وانحنى المنصب أمام أصحاب الحق
بعض الوقائع لا تغادر الذاكرة، ليس لأنها ارتبطت بأسماء كبيرة أو مناصب رفيعة، ولكن لأنها لامست شيئاً عميقاً في الروح. ومهما طال العمر، تبقى هناك مشاهد تختبئ في القلب، تعود كلما مر اسم أو حضرت سيرة أو هبت نسمة قديمة تحمل رائحة الأيام التي مضت.
وخلال سنوات عملي مندوباً لصحيفة “المصري اليوم” داخل مبنى ماسبيرو، عرفت عن قرب هذا العالم الغريب الذي لا تشبهه مؤسسة أخرى. مبنى يضج بالحياة، تملأه الضحكات أحياناً، وتختبئ في أركانه دموع لا يراها أحد. عالم كبير صنع ذاكرة أمة كاملة، لكنه كان يحمل بين جدرانه حكايات بشر بسطاء، لا يعرفهم الجمهور، ولا تظهر وجوههم على الشاشة، لكنهم كانوا الروح الحقيقية للمكان.
وفي تلك السنوات، مرّت على قطاع القنوات المتخصصة أيام ثقيلة، ثقيلة إلى الحد الذي يجعل الإنسان يشعر أن الليل صار أطول من المعتاد. تأخرت المستحقات شهوراً، وتعطلت الأحوال، وبدأ القلق يتسلل إلى البيوت. كانت هناك أسر تنتظر، وأطفال لا يعرفون معنى الأزمات المالية، وآباء يبتسمون أمام أبنائهم بينما تخفي قلوبهم خوفاً كبيراً من الغد.
وفي الوقت نفسه، كانت الأموال تنفق بسخاء في أماكن أخرى، وكانت المفارقة موجعة. أصحاب البيت يطاردهم القلق، بينما الأضواء تواصل بريقها، وكأن شيئاً لم يحدث.
لم تكن القضية صراعاً، ولا كانت معركة نفوذ، ولا بحثاً عن امتيازات إضافية. كان الأمر أبسط وأوجع من ذلك كله. كان رجال ونساء يريدون فقط أن يعيشوا بكرامة، وأن يعودوا إلى بيوتهم وهم يحملون ما يستحقونه بعد سنوات طويلة من العمل والتعب.
وأذكر أن حالة الحزن التي كانت تسكن الوجوه لم تكن تخفى على أحد. كنت أسمع الحكايات في الممرات، وأرى القلق في العيون. هناك من كان يخشى مصاريف المدارس، وهناك من أثقلته الديون، وهناك من كان يخفي وجعه خلف ابتسامة خجولة، حتى لا يراه أحد.
وحين قرّر العاملون أن يرفعوا أصواتهم، لم يكن في قلوبهم غضب على أحد، بقدر ما كان فيها رجاء أن يجدوا من يسمعهم.
ثم وصلت الحكاية إلى أنس الفقي وزير الإعلام الأسبق..
ولأن الأقدار تخبئ أحياناً ما لا يتوقعه الناس، تبدلت الصورة كلها.
لم يتعامل الرجل مع الأمر باعتباره ورقة بين عشرات الأوراق، ولم يترك الأزمة حبيسة الأدراج، ولم يختبئ خلف المكاتب الواسعة والأبواب المغلقة، وإنما اختار الطريق الأصعب، طريق الاقتراب من الناس.
وفجأة، دبّت الحياة في الوجوه التي أنهكها الانتظار.
وصلت المستحقات المتأخرة، وعاد الأمل إلى النفوس، وعادت الضحكات التي غابت طويلاً. ولم يكن المشهد عادياً، فالفرحة الصادقة لا تخطئها العين، والقلوب الممتنة لا تحتاج إلى كلمات كثيرة كي تعبر عن مشاعرها.
كان هناك رجال خرجوا من أمام الخزينة وعيونهم تلمع بالفرح، ونساء يرفعن أكفهن بالدعاء، ووجوه استردت شيئاً من الطمأنينة التي سرقتها الأيام.
ووسط كل هذه التفاصيل، شاهدت حكاية أخرى ظلت تسكن ذاكرتي، لأنها تكشف عن معدن الإنسان حين يسبق المنصب.
كان أحد مخرجي القناة الثانية يمر بأزمة مالية قاسية بسبب تأخر مستحقاته، حتى ضاقت به الدنيا، وذهب يشكو حاله، لا طلباً لمنصب، ولا سعياً وراء مكسب، وإنما بحثاً عن طوق نجاة يحميه من ضيق شديد.
استمع إليه أنس الفقي في هدوء، ولم يحدثه عن اللوائح، ولم يطلب منه العودة بعد أسبوع أو شهر، ولم يختبئ خلف الروتين الذي يقتل كل شيء جميل.
مد يده إلى جيبه، وأعطاه من ماله الخاص مبلغاً على سبيل السلفة، حتى تعبر الأيام الصعبة، على أن يرده حين يحصل على مستحقاته.
لم تكن هناك عدسات تصور المشهد، ولم يكن أحد يبحث عن تصفيق أو مديح، لكنها كانت لمسة إنسان يعرف معنى أن تضيق الدنيا بإنسان، وأن الكلمة الطيبة واليد الممتدة في ساعة العسر قد تكون أثمن من المال نفسه.
ولعل أجمل ما تعلمته من سنوات العمل داخل ماسبيرو، أن الناس لا تحفظ كل شيء، لكنها لا تنسى من وقف معها حين انكسرت، ولا تنسى من مسح عن قلبها خوفاً، ولا من منحها أملاً حين ظنت أن الأبواب كلها أغلقت.
لقد رأيت مسؤولين كثيرين، بعضهم أحاط نفسه بأسوار لا ترى من خلفها الوجوه المتعبة، وبعضهم ظن أن المنصب يرفعه فوق الناس، لكن الأيام علمتني أن قيمة الإنسان لا يصنعها الكرسي، بل يصنعها قلبه.
فالمناصب ترحل، والكراسي تتبدل، والأسماء تذهب وتجيء، لكن المواقف الجميلة تبقى معلقة في الذاكرة مثل أغنية قديمة لا يملها السامع.
ولهذا، كلما عادت بي الذاكرة إلى تلك السنوات، أتذكر وجوه البسطاء وهي تبتسم بعد طول انتظار، وأتذكر دموعاً خرجت من عيون رجال أخفوها كثيراً، وأتذكر دعوات صادقة خرجت من قلوب لم تعرف النفاق يوماً.
وأتذكر أن أجمل ما في الدنيا ليس النفوذ، ولا السلطة، ولا الألقاب الكبيرة، وإنما أن يشعر الإنسان، وهو يغادر مكانه، أن هناك من يذكره بخير، وأنه لم يمر في حياة الناس عابراً، بل ترك خلفه أثراً طيباً، وكلمة حانية، وموقفاً نبيلاً.
وفي ذلك اليوم، لم يكن الفرح فرح أصحاب المناصب، بل فرح أصحاب الوجوه المتعبة التي استعادت ابتسامتها.
وفي ذلك اليوم، لم تنتصر قوة على ضعف، ولم ينتصر صاحب مكتب على صاحب شكوى.
في ذلك اليوم، انتصر الإنسان.
وانحنى المنصب أمام أصحاب الحق.
وبقيت وجوه البسطاء، وهي تضحك من أعماقها، أجمل صورة احتفظت بها الذاكرة، وأصدق حكاية روتها الأيام..
الأكثر قراءة
-
واقعة مأساوية جديدة.. غرق شاب داخل حمام سباحة أثناء التدريب
-
"التارترازين".. كيف تفرق بين اللب المغشوش والطبيعي قبل الشراء؟
-
تتلف الحمض النووي.."التارترازين" كارثة صحية في اللب السوبر والسوداني
-
لحديثي التخرج.. تفاصيل أحدث وظائف في بنك القاهرة 2026
-
هل تم تغيير امتحان الثانوية العامة أثناء انعقاده؟.. التعليم ترد
-
تحذير عاجل بشأن سحب شقق الإسكان الاجتماعي 2026 من هذه الفئات
-
ثلاثية الأزمة في المستشفيات
-
أهداف وملخص مباراة الجزائر والأردن في كأس العالم 2026
مقالات ذات صلة
ما تركته الأيام في القلب..
15 يونيو 2026 09:28 ص
إعلام بلا حصانة.. آن أوان المواجهة وإعادة ضبط المهنة
08 يونيو 2026 09:08 ص
طارق سعدة وضبط المشهد الإعلامي.. جهود مستمرة لحماية المهنة في العصر الرقمي
01 يونيو 2026 11:22 ص
متى تعود الروايات والقصص مصدرًا للأعمال الدرامية والسينمائية؟
25 مايو 2026 09:03 ص
أكثر الكلمات انتشاراً