الأربعاء، 24 يونيو 2026

09:30 م

بوسي سليمان

4.22 مليار رجل خائن؟!.. الحقيقة التي لا نريد الاعتراف بها

بينما تنشغل منصات التواصل الاجتماعي بمعارك لا تنتهي بين الرجال والنساء، تختزل فيها كل فئة الطرف الآخر في عبارات جاهزة وأحكام مطلقة، تأتي لغة الأرقام لتكشف حجم المغالطة التي يصنعها الألم أكثر مما يصنعها المنطق.

"كل الرجال خونة"... وفي المقابل: "كل النساء سواء" أو "كل النساء خائنات".

إذا نظرنا إلى الأرقام، سنجد أن عدد سكان العالم تجاوز ثمانية مليارات نسمة، منهم نحو 4.22 مليار رجل، ونحو 4.13 مليار امرأة.

هذه الأرقام لا تقول إن الجميع أخيار أو أن الجميع سيئون، لكنها تكشف حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: أن البشرية أكثر تنوعًا من أن تُختزل في تجربة شخصية، أو تجربتين، أو حتى عشر تجارب. لذلك فإن إصدار حكم مطلق على جنس كامل بسبب تجربة فردية ليس سوى استنتاج يفتقر إلى العدالة والمنطق.

فهل يمكن لإنسان واحد أن يعرف هذا العدد الهائل من البشر حتى يصدر حكمًا عليهم جميعًا؟

كيف يمكن لامرأة أن تختزل 4.22 مليار رجل في شخص واحد؟
عندما تقول امرأة: "كل الرجال خونة"، فهي لا تتحدث بلغة الإحصاء، وإنما بلغة الألم. وهي، دون أن تشعر، تطلق حكمًا عامًا على مليارات من البشر لا يجمع بينهم سوى أنهم رجال.
فهل تعاملت مع كل هؤلاء حتى تحكم عليهم جميعًا بالخيانة؟
بالطبع لا.

وبالمثل، عندما يختزل رجل 4.13 مليار امرأة في عبارات مثل: "كل النساء سواء" أو "كل النساء خائنات"، فإنه يحكم على مليارات النساء المختلفات، اللاتي لا يجمع بينهن سوى أنهن نساء.
فهل عرف رجل واحد كل هؤلاء حتى يصدر هذا الحكم؟
بالطبع لا.

ولكن… لماذا يصل الإنسان إلى هذا اليقين الخاطئ؟

لأن التعميم لا يولد من فراغ، بل يولد من جرح عميق.
قد يبدأ منذ الطفولة مع أبٍ قاسٍ أو غائب، فيتشوه معنى الأمان داخل الطفل. وقد يكون مع أم افتقد منها الحنان والاحتواء، فأهملت أبناءها أو جرحتهم. وقد يكون مع أخٍ مارس السيطرة بدلًا من الحماية، أو أخت خذلت الثقة بدلًا من أن تمنح الدعم.

وقد يأتي الجرح من صديق خان العهد أو تخلى عند أول اختبار، أو من زوج كان يُظن أنه مصدر للأمان، فإذا به يهدم ما تبقى من الثقة، أو من زوجة غدرت أو تخلت عن شريكها في اللحظة التي كان ينتظر منها أن تكون السند والدعم.

وقد يكون مصدر الألم أي شخص مثّل يومًا مساحة للأمان، ثم انهار هذا الأمان فجأة.

عندها يتحول الجرح الشخصي إلى حكم عام، ويصبح التعميم درعًا نفسيًا يحاول الإنسان من خلاله حماية نفسه من تكرار الألم.

ولهذا نسمع امرأة تقول: "كل الرجال خونة" لأنها ربطت جراحها بمن خانها، ثم عممت تلك التجربة على جميع الرجال.

ونسمع رجلًا يقول: "كل النساء سواء"لأنه فعل الأمر نفسه مع تجربته الخاصة.

والحقيقة أن ما حدث ليس اكتشافًا لحقيقة تخص نصف سكان الأرض، بل فقدانٌ للثقة صنعه الألم، وأحكامٌ عاطفية ولدها الخذلان ورسخها الغضب دون أن تستند إلى دليل.

ولا يختلف ذلك عما تؤكده دراسات علم النفس، التي تشير إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تضخيم أثر التجارب المؤلمة عند تكوين أحكامه، فيبدو التعميم وكأنه حقيقة، بينما هو في الواقع انعكاس لجرح لم يلتئم بعد.

فالخيانة ليست صفة مرتبطة بالرجل، كما أن الوفاء ليس حكرًا على المرأة، والعكس صحيح.
والأخلاق لا يحددها النوع، وإنما يحددها الضمير، والتربية، والقيم، والاختيارات الشخصية.

فالأرقام تؤكد أن البشر أكثر تنوعًا من أن يُختزلوا في تجربة واحدة مريرة، وأن الخير والشر، والوفاء والخيانة، والصدق والغدر، صفات إنسانية لا يحتكرها جنس دون الآخر.

إن أخطر ما يفعله التعميم أنه يحرم الإنسان من رؤية الحقيقة.
فبدلًا من أن يحكم على الأشخاص بأفعالهم، يبدأ في الحكم عليهم وفقًا لجنسهم، فيظلم الأبرياء بسبب أخطاء غيرهم، ويغلق باب الثقة قبل أن يمنح الآخرين فرصة لإثبات أنفسهم.

قد يخذلك رجل، وقد تخذلك امرأة، لكن ذلك لا يمنح أحدًا حق إدانة مليارات البشر بسبب تجربة فردية.

قد تفسر التجارب المؤلمة سبب التعميم، لكنها لا تبرره؛ فالخذلان لا جنس له.
أما التعميم، فليس حقيقة، بل صرخة ألم يطلقها إنسان خُذل في أكثر الأماكن التي كان ينتظر منها الأمان.

لذلك، قبل أن نردد عبارة "كل الرجال خونة" أو "كل النساء سواء"، فلنسأل أنفسنا أولًا:
هل نحكم بعقولنا… أم بجراحنا؟

رابط مختصر

تابعونا على

search