الأحد، 28 يونيو 2026

10:10 م

لماذا يكتشف كل جيل عبد الحليم وأم كلثوم من جديد؟

في كل مرة يظن فيها البعض أن الفيديوهات القصيرة والأغنيات السريعة، أصبحت تفرض أذواق بعينها على الجمهور، لا مكان فيه للماضي، يحدث ما يناقض تلك الفكرة تمامًا.

شاب لم يعش زمن الأبيض والأسود يحفظ أغنية لعبد الحليم حافظ عن ظهر قلب، فتاة تفتتح صباحها بصوت فيروز، وآخر يُضيف "إنت عمري" لأم كلثوم ضمن "البلاي ليست" الخاصة به اليوم.

تلك المشاهد لم تعد استثناءً، بل تحولت لظاهرة تتكرر مع كل جيل جديد، وكلما ابتعد الزمن عن هؤلاء الفنانين، بدا وكأنهم يقتربون أكثر من جمهور لم يعاصرهم.

اللافت في كل ذلك، أن هذا الحضور لا يأتي بدافع الحنين فقط، لأن الحنين في الأصل يحتاج لذاكرة، بينما ملايين من المستمعين اليوم لم يعيشوا زمن عبد الحليم أو أم كلثوم أو فيروز.

كل هؤلاء لا يعودون إلى الماضي.. بل يكتشفونه للمرة الأولى!

ربما أيضًا يكون السر في ذلك، أن كل هؤلاء من الأيقونات الغنائية لم يقدموا أغنيات مرتبطة بلحظة زمنية، ولكنهم قدموا مشاعر يصعب أن يطالها الزمن، فالحب لا يتغير والاشتياق لا يشيخ، الخذلان لا يختفي واللهفة لا تعرف عمرًا.

كلمات مثل "موعود" أو "قارئة الفنجان"، قد تبدو وكأنها كُتبت لشخص يعيش في 2026، لا قبل ستين عامًا!

ولا يتعلق الأمر بالمشاعر وحدها، بل بطريقة صناعة الأغنية نفسها، في عقود ماضية لم تكن الأغنية مجرد لحن سريع أو جملة موسيقية جذابة، بل كانت أقرب لرحلة، تبدأ بهدوء وتتصاعد لتبلغ ذروتها.

رحلة موسيقية هائلة تترك المستمع وقد عاش تجربة متكاملة، يرغب في تكرارها لأكثر من مرة، كانت الأغنية تمنح المستمع وقتًا ليتورط عاطفيًا معها، في وقت تدفع طبيعة المنصات الرقمية اليوم الكثير من الأعمال للبحث عن التأثير السريع في الثواني الأولى.

ولكن في الوقت ذاته، يخطئ من يظن أن الأغنية الحديثة أقل قيمة، أو أن كل ما يُنتج اليوم سيُنسى غدًا، فلكل زمن فنه ولكل جيل صوته، لكن الفارق أن بعض الأعمال تُصنع لتعيش مع الترند، بينما تُصنع أعمال أخرى لتعيش مع الإنسان.

المفارقة هنا أن التكنولوجيا التي توقع كثيرون منا أن تكون سببًا في طي صفحة الأغنيات الكلاسيكية، أصبحت من أكبر أسباب بقائها، مقطع قصير على "تيك توك" أو مشهد من فيلم بفيديو على "انستجرام" قد يدفع الشباب للبحث عن أغنية كاملة لعبد الحليم أو حفلة نادرة لأم كلثوم.

المنصات الرقمية لم تقتل الأغنية الكلاسيكية، بقدر ما أعادت تقديمها لجمهور الجديد بلغة العصر نفسه.

وبين مئات الأغنيات السريعة، تجد البعض من الجمهور يبحث عن عمل غنائي يمنحهم تجربة مختلفة أكثر من مجرد إيقاع سريع، ومن هنا يعود للمستمع من دون تخطيط لمكتبة موسيقية عمرها عقود، يكتشف أن الزمن لم ينتقص من قيمتها بقدر ما زادها عمقًا.

الجمهور لا يعود إلى عبد الحليم حافظ وأم كلثوم لأنه يرفض الحاضر، ولا لأنه أسير للماضي، بل لأن الفن الحقيقي يمتلك قدرة نادرة على عبور الزمن.

ربما لهذه الأسباب، وبعد مرور عقود على رحيل هذه الأصوات، يبقى السؤال مطروحًا: كيف يمكن لأغنية كُتبت في القرن الماضي أن تبدو اليوم وكأنها تحكي قصة شاب يجلس مُمسكًا بهاتفه، يستمع إليها للمرة الأولى؟

اقرأ ايضًا:

ناقد فني: "على قد الشوق" نقطة تحول في حياة العندليب

العندليب يعود للسينما بتقنيات 2026.. أسرة عبد الحليم حافظ تفتح خزائن أسرارها لفيلم جديد


 

search