الثلاثاء، 30 يونيو 2026

09:28 م

رندا علي

التاسعة والعشرون... وما زلت أؤمن أن للحلم موعدا

أكملت التاسعة والعشرين من عمري.. 

الغريب أن كثيرين ما زالوا يخبرونني بأن ملامحي تبدو أصغر من سني، فأبتسم ليس لأن الأمر يعنيني كثيرًا، وإنما لأن بداخلي فتاةً لم تكبر أحلامها بعد، وما زالت تحتفظ بشغفها الأول، وتنتظر اليوم الذي تلامس فيه أمنياتها بيديها.

تسعة وعشرون عامًا... قد يراها البعض رقمًا كبيرًا، أما أنا فأراها محطةً في طريقٍ لم أصل إلى نهايته بعد.

حين كنت أصغر سنًا، كنتُ أظنُ أن الاجتهاد وحده يكفي، وأن الشغف قادر على فتح كل الأبواب ،لكن الحياة علمتني أن الطرق لا تكون عادلة دائمًا، وأن بعض الأحلام لا تتأخر لأنها بعيدة المنال، بل لأن لكل حلم موعدًا لا يشبه سواه.

منذ سنوات وقعت في حب الصحافة لم أخترها لأنها وظيفة، وإنما لأنها كانت بالنسبة إليَّ رسالة. كنت أرى في الكلمة مسؤولية، وفي الخبر أمانة، وفي القصة الإنسانية حياةً كاملة تستحق أن تُروى.
عشت سنوات أتعلم وأقرأ، وأكتب، وأسعى لأن أكون صحفيةً تليق بهذه المهنة كنت أؤمن أن الإخلاص لا بد أن يجد يومًا من يقدّره .. لكن الواقع كان أكثر قسوة مما تخيلت.
كم مرة عدتُ إلى منزلي بعد يومٍ طويل، أحمل دفترًا امتلأ بالملاحظات، بينما كان قلبي مثقلًا بسؤالٍ واحد: هل يكفي أن تحب مهنتك حتى تجد فيها ما تستحقه؟
وجدت نفسي  ككثير من الصحفيين الشباب أمام معادلةٍ صعبة.. جهدٌ لا ينقطع، وساعات عملٍ طويلة، ومسؤوليات تتزايد، يقابلها تقدير لا يوازي حجم ما يُبذل.

لم أترك الصحافة لأنني توقفت عن حبها ؛بل لأنني كنت أبحثُ عن مساحة أستطيع فيها أن أعيش بكرامة، وأن أجد مقابلًا عادلًا لما أبذله من وقت وجهد.

لذلك خضتُ تجارب مهنية متعددة، حيث انتقلت بين مجالات مختلفة، وتعلمت من كل محطة درسًا جديدًا، حتى أدركت أن تغيير الطريق لا يعني الهزيمة، وإنما قد يكون بداية لاكتشاف الذات من جديد.

ومع كل تجربة ظل داخلي صوتٌ لا يخفت، يذكرني بأن للإنسان مكانًا يشعر فيه أنه خُلق ليكون، وما زلتُ أدعو الله أن يفتح لي باب ذلك المجال الذي أرى فيه رسالتي الحقيقية، لا لأنني أبحث عن وظيفة، وإنما لأنني أبحث عن أثر 
ولم يتوقف حلمي عند العمل فقط، بل كبر معي حلم آخر...

أن أقف يومًا أمام طلاب الجامعة، لا كطالبة تحمل دفاترها، بل كدكتورة تحمل رسالة أحلم أن أحدثهم عن الصحافة كما عرفتها، وعن الكلمة حين تكون أمانة، وعن المهنة حين تتحول إلى مسؤولية، وعن الإنسان الذي يجب أن يبقى حاضرًا خلف كل خبر.

 أريد أن أشاركهم ما تعلمته من الكتب، وما علمتني إياه الحياة، وأن أغرس فيهم شغفًا يجعلهم يؤمنون بأن الصحافة ليست مهنة تُمارس فحسب، بل رسالة تُحمل بضمير .


في التاسعة والعشرين، لم أحقق كل ما حلمت به، لكنني أيضًا لم أفقد إيماني بالطريق.
تعلمتُ أن النجاح ليس سباقًا بين الناس، وأن لكل إنسان توقيته الذي لا يشبه أحدًا ،وتعلمت  أيضاً أن القوة لا تكمن في ألا نتعب، بل في أن نواصل السير رغم الصعاب ، وأن الشغف الحقيقي قد يخفت أحيانًا، لكنه لا يموت.

لهذا لا أكتب هذه الكلمات رثاءً لما مضى، ولا شكوى من طريقٍ كان شاقًا، وإنما أوثق بها رحلةً ما زالت مستمرة.
رحلةُ فتاةٍ آمنت بالكلمة، واتخذت من الحروف وطنًا، ومن الحلم رفيقًا لا يخذلها. عرفت مرارة الإحباط، وعبرت محطاتٍ لم تكن كما اشتهت، لكنها خرجت من كل تجربة أكثر نضجًا، وأكثر يقينًا بأن الأحلام الصادقة تستحق أن يُبذل العمر في سبيلها، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ربما لم أصل بعد...
لكنني ما زلت أمضي، بخطواتٍ قد تُبطئها الحياة، لكنها لا تتوقف. أحمل في قلبي يقينًا بأن لكل مجتهد موعدًا، ولكل دعاء ساعةً يعلمها الله، وأن ما يكتبه الله لعباده يأتي في أوانه، لا في أوان رغباتهم.
وما دام القلب عامرًا بالأمل، فالأحلام ليست منتهية، وإنما مؤجلة... حتى يحين موعدها.

search