الخميس، 02 يوليو 2026

08:31 م

 بوسي سليمان

تجار الوطنية.. حين تتحول أقدس المشاعر إلى تجارة لـ "الريتش" وصكوك التخوين

في ذكرى الثلاثين من يونيو، سيكتب كثيرون عن يومٍ سطّر فيه المصريون واحدة من أهم محطات تاريخهم الحديث، وسيتحدث آخرون عن بطولات ومواقف شكّلت علامة فارقة في مسيرة الدولة المصرية.

أما هذا المقال، فليس عن ذكرى الثلاثين من يونيو، بل عن معركة أخرى لم تنتهِ بعد.

معركة اختطف فيها البعض اسم الوطن، وحوّلوا الانتماء إلى تجارة، ومنحوا أنفسهم حق توزيع صكوك الوطنية على الناس.

ومن هنا تبدأ المشكلة.

فالأوطان لا تضع على أبوابها لافتات تثبت الانتماء، ولا تحتاج إلى من يتحدث باسمها أكثر مما تحتاج إلى من يعمل من أجلها. لكن حين يصبح حب الوطن سلعة، يصبح الضجيج أعلى من الحقيقة، ويبدأ الخلط بين الانتماء والاستعراض.


وربما لم يعد الخطر الحقيقي يكمن في اختلاف الآراء حول القضايا الوطنية، فهذا أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع، وإنما في الطريقة التي تحولت بها تلك القضايا على منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للمنافسة على المشاهدات والتفاعل، حيث أصبح الصوت الأعلى هو الأكثر انتشارًا، لا الفكرة الأكثر صدقًا، وأصبحت خوارزميات "الريتش" عند البعض أهم من قيمة الرسالة نفسها.


في كل المجتمعات، يُعد الانتماء للوطن من أنبل المشاعر الإنسانية، لأنه علاقة صادقة بين الإنسان ووطنه، لا تحتاج إلى تصفيق أو شهادات اعتماد من أحد.

لكن هذا المفهوم تبدّل، حيث حوّل البعض هذا الشعور النبيل إلى وسيلة للشهرة والربح، حتى أصبح "الريتش" هو البوصلة التي تحدد اتجاه الخطاب، وتحول الانتماء عند البعض إلى سلعة، يتصدر فيها من يرفع صوته أكثر، لا من يملك الفكرة الأصدق.

لم يعد الحديث عن الوطن عند هؤلاء نابعًا من إيمان حقيقي بقضاياه، بقدر ما أصبح وسيلة لزيادة التفاعل وجمع المتابعين. والأسوأ أنهم نصّبوا أنفسهم أوصياء على عقول الناس، يمنحون صكوك الوطنية لمن يوافقهم، وينزعونها عمّن يختلف معهم.

وهم احتكار الوعي

يتكرر هذا المشهد كل يوم؛ يخرج كل طرف معلنًا أنه وحده صاحب الوعي الحقيقي، بينما يصوّر كل من يخالفه على أنه جاهل، أو مضلل، أو فاقد للانتماء.

ومع احتدام المنافسة على جذب الجمهور، تتحول القضية من الدفاع عن الوطن إلى صراع على التأثير واحتكار الحقيقة، فتغيب الفكرة، ويحضر الاستعراض.

ولا تتوقف المعركة عند هذا الحد، بل تبدأ حملات النبش في الماضي، والبحث عن تصريحات أو مواقف قديمة لإدانة المنافس وإسقاطه.

فالإنسان ليس نسخة جامدة من نفسه، بل كائن يتطور مع الزمن. فقد يتبنى قناعات في مرحلة من حياته، ثم يراجعها مع مرور السنوات، واكتساب الخبرات، واتساع مداركه. فالنضج الحقيقي لا يعني التمسك بكل ما قلناه في الماضي، بل امتلاك الشجاعة لمراجعته عندما تتغير القناعات.

فالناس يُقاسون بما أصبحوا عليه، لا بما كانوا عليه.

لذلك، فإن محاكمة الأشخاص بأقوالهم القديمة، مع تجاهل تطورهم الفكري، ليست بحثًا عن الحقيقة، بل وسيلة للتشهير والإقصاء.

من الدفاع عن الوطن إلى تجارة بالشعارات

بعد النبش في الماضي، تبدأ مرحلة المزايدات. يتنافس الجميع على احتكار الانتماء، ويتحول النقاش من البحث عن مصلحة الوطن إلى سباق محموم نحو "الريتش" والتفاعل.

الضجيج لا يصنع وعيًا، وارتفاع الصوت لا يرفع قيمة الفكرة.

وعندها تتراجع القضايا الحقيقية، ويعلو الضجيج، فلا يبقى سوى شعارات تُستهلك، ومعارك تُدار من أجل المشاهدات وتصدر المشهد.

هدية مجانية للمتربصين بالوطن

النتيجة الأخطر أن هذه المعارك لا تسيء إلى أصحابها فقط، بل تمنح المتربصين بالوطن فرصة للتشكيك في كل خطاب وطني.

فعندما يرى الناس من يتحدثون باسم الوطنية يتبادلون الاتهامات، ويحاول كل منهم كشف تناقضات الآخر، يصبح المشهد مادة للسخرية، ويجد أصحاب الأجندات الهدامة فرصة لترسيخ فكرة أن الوطنية ليست سوى تجارة بالشعارات، وأن الجميع لا يبحث إلا عن الشهرة أو المال.

وهكذا، يتحول من يدّعي الدفاع عن الوطن إلى أحد أسباب إضعاف الثقة بهذا المفهوم، دون أن يشعر.

شيطنة النقد

في عالم هؤلاء، لا مكان للرأي المختلف؛ فإما تأييد مطلق، وإما تخوين جاهز.

ويُصوَّر أي نقد موضوعي على أنه مؤامرة، رغم أن النقد البنّاء أحد أهم وسائل الإصلاح. فليس كل من ينتقد عدوًا لوطنه، كما أن التأييد المستمر لا يجعل صاحبه أكثر إخلاصًا من غيره.

ولإضفاء مزيد من المصداقية على خطابهم، يوهم بعضهم الناس بأنه قريب من دوائر صنع القرار، أو يمتلك معلومات حصرية، في محاولة لصناعة هالة زائفة من النفوذ، تتحول في النهاية إلى متابعين، ثم إلى أرباح.

الانتماء لا يحتاج إلى استعراض

وبعيدًا عن هذا الضجيج، هناك من يمارس حب الوطن باعتباره مسؤولية، لا وسيلة للشهرة.

هؤلاء يقدمون وعيًا حقيقيًا، ويناقشون القضايا بموضوعية، ويمارسون النقد المسؤول عندما يرون خطأ، ويدافعون عن وطنهم عندما يتطلب الأمر ذلك، دون مزايدة أو استعراض.

إنهم يدركون أن الانتماء يُترجم إلى عمل، وإلى كلمة صادقة في وقتها، لا إلى سباق على الشهرة أو منافسة على احتكار الحقيقة.
ولا يُقاس حب الوطن بعدد المنشورات أو المتابعين، وإنما بصدق النية، والإخلاص في العمل، وتقديم المصلحة العامة على أي مصلحة شخصية.

لا وصاية على حب الوطن

لقد أثبت الشعب المصري، عبر تاريخه، أنه يملك من الوعي ما يجعله قادرًا على التمييز بين المخلص والمدّعي، دون الحاجة إلى أوصياء يمنحون الناس شهادات في الوطنية أو يسحبونها منهم.

فليس من حق أحد أن يحتكر حب الوطن، أو يفتش في ضمائر الآخرين، أو يصادر حقهم في التفكير والنقد والاختلاف.

قد يكون من يختلف معك في الرأي أكثر حبًا لهذا الوطن منك، وقد يكون من يعمل في هدوء أكثر إخلاصًا ممن يقضي يومه في رفع الشعارات في كل مكان.

فالتاريخ لا يتذكر أكثر من صرخ، بل يتذكر أكثر من بنى.

فالوطن لا يحتاج إلى من يحتكر الحديث باسمه، بل إلى من يعمل من أجله.

فالانتماء ليس شعارًا يُرفع، ولا صكًا يُمنح، ولا وسيلة لتحقيق الشهرة أو جمع الأموال، بل مسؤولية، وأخلاق، ومواقف تُترجم إلى أفعال.

ويبقى الوطن أكبر من الجميع، وأوسع من كل محاولات احتكار الحديث باسمه أو المتاجرة بمشاعره.

فالأوطان لا يحرسها أكثر من صدق أبنائها، ولا تبنيها كثرة الشعارات، بل قلة الضجيج وكثرة العمل. أما الوطنية التي تُقاس بعدد المشاهدات لا بصدق المواقف، فهي لا تدافع عن الأوطان، بل تتاجر بها.

رابط مختصر

تابعونا على

search