الإثنين، 06 يوليو 2026

05:37 م

"‏بنحل وإحنا بننهج".. طلاب الثانوية بين ضغط الساعة وتضارب روايات اللجان والوزارة

سباق الطالب مع الوقت بين البابل شيت وعقارب الساعة

سباق الطالب مع الوقت بين البابل شيت وعقارب الساعة

"أنا بحل الامتحان وأنا بنهج".. بهذه الكلمات لخصت الطالبة البالغة من العمر 17 عامًا، تجربتها مع امتحانات الثانوية العامة، قائلة إنها تجيب عن الأسئلة تحت ضغط متواصل، دون مساحة كافية للتفكير أو المراجعة، في امتحانات تقول وزارة التربية والتعليم إن زمنها "كافٍ جدًا"، بينما يرى طلاب ومعلمون وخبراء أن ما يحدث داخل بعض اللجان يقتطع من هذا الزمن فعليًا.

القصة لا تتعلق بطالبة واحدة، بل بسؤال يمس 921 ألفًا و709 طلاب وطالبات يؤدون امتحانات الثانوية العامة هذا العام، داخل 2032 لجنة امتحانية على مستوى الجمهورية: هل يحصل كل طالب على الساعات الثلاث كاملة، أم أن جزءا من الوقت يضيع بين تأخر توزيع الأسئلة وكتابة البيانات وتظليل "البابل شيت" وضغط العد التنازلي؟

624826ea-bb0f-4737-9438-ca01a52371cd
طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة وسط جدل حول مدى كفابة الزمن المخصص للإجابة 

الدقيقة الأولى لا تبدأ دائمًا في التاسعة

تقول جهاد لـ"تليجراف مصر" إنها تسلمت ورقة امتحان اللغة العربية في الساعة 9:10 صباحًا، أي بعد عشر دقائق من الموعد الرسمي لبداية الامتحان، ثم احتاجت نحو 5 دقائق لكتابة البيانات، بينما تستغرق عملية تظليل الإجابات في "البابل شيت" قرابة 20 دقيقة بعد انتهاء الحل.

وبحسب حسابات الطالبة، فإن الوقت الفعلي الذي تبقى لها لحل 55 سؤالًا في مادة اللغة العربية، لم يتجاوز ساعتين و25 دقيقة تقريبًا.

وتشرح جهاد، ما حدث في امتحان الكيمياء، قائلة: "لما المراقب قال عدى ساعة ونص، ولسه قدامي 14 سؤال كلهم مسائل، اترعبت، فضلت أجري في الحل، وفي الآخر ما لحقتش أراجع، واكتشفت بعد الامتحان إني غلطت في سؤال كان سهل".

وتضيف: "لو هحل بهدوء وأفكر وأراجع، الامتحانات دي محتاجة أربع ساعات أو أكتر".

imti7an_1750617932
طلاب الثانوية العامة يواجهن سباقًا مع الوقت داخل اللجان 

في شهادة جهاد، تظهر الفجوة الأولى بين الزمن الرسمي والزمن الفعلي، فالامتحان، نظريًا، يبدأ في التاسعة وينتهي في الثانية عشرة، لكن الطالب لا يبدأ الإجابة بمجرد دخوله اللجنة، بل بعد استلام ورقة الأسئلة، وكتابة البيانات، وفهم التعليمات، ثم الانتقال بين كراسة الأسئلة ونموذج الإجابة.
 

لما المراقب قال عدى ساعة ونص، ولسه قدامي 14 سؤال كلهم مسائل، اترعبت. فضلت أجري في الحل، وفي الآخر ما لحقتش أراجع
 

طالبة ثانوية عامة 

روايات متداولة عن تأخير في اللجان

لم تكن شهادة جهاد وحدها في هذا الاتجاه، خلال أيام الامتحانات، حيث تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع مصورة لطلاب وأولياء أمور تحدثوا فيها عن تأخر توزيع أوراق الأسئلة في بعض اللجان، معتبرين أن هذا التأخير انتقص من زمن الامتحان الفعلي.

في أحد المقاطع، ظهرت ولية أمر من محافظة الغربية وهي تعبر عن غضبها بعد أن قالت إن ابنتها تسلمت ورقة امتحان الكيمياء في الساعة 9:40 صباحًا، قائلة: "المفروض الطلاب يدخلوا الامتحان في معادهم.. بتضيعوا تعبهم طول السنة ليه؟".

وفي مقطع آخر، قالت طالبة من محافظة الإسكندرية: "في امتحان اللغة العربية دخلنا اللجنة الساعة 9، واستلمنا ورقة الأسئلة الساعة 9:30.. ضيعوا الوقت، وكمان رفضوا يدونا وقت زيادة".

كما نشر طالب مقطع فيديو من أمام إحدى المدارس، قال فيه إنه وصل إلى لجنة الامتحان في الساعة 9:13 صباحًا بعد تعطل السيارة التي كانت تقله، إلا أن رئيس اللجنة رفض السماح له بالدخول، رغم أن اللوائح تتيح لرئيس اللجنة، في بعض الحالات، السماح بدخول الطالب خلال الدقائق الأولى وفق الضوابط المنظمة.

هذه المقاطع، وإن ظلت في نطاق الشهادات المتداولة، تفتح بابًا أوسع لفحص طريقة إدارة الزمن داخل اللجان: متى يتسلم الطالب ورقة الأسئلة؟ ومتى يبدأ احتساب الوقت فعليًا؟ وهل تُعوَّض اللجان التي يتأخر فيها التوزيع؟ ومن يراقب ذلك؟

امتحان معرفة أم اختبار سرعة؟

يرى مدرس الكيمياء، أحمد مجدي، أن الحكم على كفاية زمن الامتحان لا يصح أن يكون مطلقًا، لأن قدرة الطالب على إنهاء الورقة تختلف وفق مستواه وطبيعة الأسئلة.

ويقول مجدي، إن الطالب المتفوق قد يتمكن من إنهاء الامتحان في الزمن المحدد، بينما قد لا تكفي الساعات الثلاث طالبًا متوسطًا إذا واجه أسئلة تحتاج إلى تفكير طويل أو أكثر من خطوة في الحل.

ويضيف أن امتحان الكيمياء هذا العام، من وجهة نظره، كان يحتاج إلى وقت أطول، قد يصل إلى 4 ساعات داخل اللجنة، خصوصًا مع وجود مسائل تتطلب قراءة دقيقة للمعطيات، وترتيب خطوات الحل، ثم مراجعة الناتج.

ويلخص مجدي الأزمة بقوله إن الامتحان الذي يقيس الفهم والتطبيق لا ينبغي أن يتحول إلى "اختبار سرعة"، لأن الطالب تحت ضغط الوقت قد يخطئ في سؤال يعرف إجابته، لا لأنه لا يفهمه، بل لأنه لم يجد الفرصة الكافية للتفكير والمراجعة.

ab99ae41-1426-4841-8dcc-bf6011bb105d
داخل لجان الثانوية العامة دقائق قد تصنع فارق بين اجابة صحيحة واجابة خاطئة

رئيس لجنة: ثلاث ساعات كافية وبزيادة 

على الجانب الآخر، يقدم رئيس لجنة ثانوية عامة، جمال طلعت، رواية مختلفة. فهو يؤكد أن زمن الامتحان "كافٍ وزيادة"، وأن الملاحظين يبدأون توزيع أوراق الأسئلة قبل التاسعة صباحًا، بحيث يكون الطلاب مستعدين مع بداية الوقت الرسمي.

ويقول طلعت لـ"تليجراف مصر": "امتحان الكيمياء 46 سؤالًا يتحلوا خلال ساعتين، والساعة الثالثة دي بيدوها للطالب زيادة تفكير".

ويضيف أن جمع أوراق الإجابة يبدأ في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا، سواء حدث تأخير أو مشكلة داخل اللجان، معتبرًا أن الالتزام بموعد انتهاء الامتحان جزء من الانضباط المطلوب داخل المنظومة.

لكن هذا التصريح يثير إشكالية جوهرية إذا تأخر تسليم أوراق الأسئلة في لجنة ما، هل تنتهي اللجنة في الثانية عشرة وفق الموعد الرسمي، أم تمتد بالقدر نفسه الذي تأخر فيه بدء الامتحان فعليًا؟

"امتحان الكيمياء 46 سؤالًا يتحلوا خلال ساعتين، والساعة الثالثة دي بيدوها للطالب زيادة تفكير".

رئيس لجنة امتحانية

رواية الوزارة: الوقت الضائع حق للطالب

رئيس قطاع التعليم بوزارة التربية والتعليم، الدكتور جودة غانم، يؤكد أن زمن الامتحان المقرر، وهو ثلاث ساعات، "كافٍ جدًا"، موضحًا أن تقديرات واضعي الأسئلة تراعي الزمن اللازم للحل، وأن كل سؤال يحتاج في المتوسط، إلى نحو دقيقة ونصف.

ويرى غانم، أن زيادة زمن الامتحان قد تفتح المجال أمام بعض محاولات الغش، لذلك تتمسك الوزارة بالزمن المحدد، باعتباره جزءا من ضبط العملية الامتحانية.

لكن رئيس قطاع التعليم يضع قاعدة واضحة في حالات التأخير، قائلًا إن أي تأخر في تسليم أوراق الأسئلة داخل لجنة يجب أن يُعوَّض بالمدة نفسها.

66627077-ba2d-41f5-a2a0-8815216bf3c4
الدكتور جودة غانم، رئيس قطاع التعليم بوزارة التربية والتعليم

ويقول: "لو الامتحان بدأ الساعة 9:30، يبقى ينتهي الساعة 12:30.. المدة اللي ضاعت حق للطالب".

ويوضح أن رئيس اللجنة يبلغ مديرية التربية والتعليم بمدة التأخير، لتصدر المديرية قرارًا بمد زمن الامتحان داخل اللجنة بالقدر نفسه، مؤكدًا: "الطلاب بتاخد حقها في الـ3 ساعات، ودي مضمونة".

هنا تتسع الفجوة بين روايتين داخل المنظومة نفسها. رئيس لجنة يقول إن جمع الأوراق يبدأ في الثانية عشرة حتى مع وجود مشكلة، بينما يؤكد مسؤول بالوزارة أن وقت التأخير يجب تعويضه بالكامل. وبين الروايتين يقف الطالب، لا يعرف هل تحكمه ساعة الوزارة أم ساعة اللجنة.

 "لو الامتحان بدأ الساعة 9:30، يبقى ينتهي الساعة 12:30.. المدة اللي ضاعت حق للطالب".

رئيس قطاع التعليم بوزارة التربية والتعليم

خبير تربوي: العدالة ليست في الورقة فقط

الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، يرى أن بعض المواد مثل اللغة العربية والتاريخ قد تحتاج إلى وقت أطول من ثلاث ساعات، خاصة إذا تضمنت أسئلة قراءة وتحليل وربط بين أكثر من معلومة، لكنه يؤكد أن الأزمة الأكبر ليست في الزمن المقرر فقط، بل في إدارة هذا الزمن داخل اللجان.

ويقول حمزة إن تأخر توزيع أوراق الأسئلة لمدة 10 أو 15 أو حتى 30 دقيقة، إن حدث، يضع الطالب تحت ضغط نفسي منذ بداية الامتحان، ويقتطع من حقه في التفكير الهادئ والمراجعة.

ويضيف أن الطالب لا يستخدم الوقت كله في الحل المباشر، فهناك دقائق تذهب في كتابة البيانات، وأخرى في قراءة التعليمات، ثم وقت لتظليل الإجابات في "البابل شيت"، وهو ما يعني أن الساعات الثلاث لا تصل كاملة إلى مرحلة التفكير والإجابة.

ويشير حمزة إلى أن بعض الطلاب لا يتدربون مسبقًا على حل الامتحان في الزمن المحدد، ما يضعف قدرتهم على إدارة الوقت داخل اللجنة، لكنه يشدد في المقابل على أن ضعف التدريب لا يبرر أي خلل تنظيمي يحرم الطالب من حقه في الزمن الكامل.

239
الخبير التربوي، دكتور مجدى حمزة 

ويؤكد أن الالتزام بتوزيع أوراق الأسئلة قبل بدء الامتحان، ومحاسبة أي رئيس لجنة يخالف التعليمات، يمثلان ضمانة أساسية لتحقيق تكافؤ الفرص، لأن العدالة في الامتحانات لا تعني توحيد الأسئلة فقط، بل توحيد ظروف الأداء كذلك.
ثلاث ساعات على الورق.. ولكن ماذا يحدث داخل اللجنة؟

وتكشف الشهادات المتقابلة، أزمة مركبة؛ فالوزارة تتحدث عن زمن محسوب بدقة، ورؤساء لجان يؤكدون انضباط المواعيد، بينما يروي طلاب وأولياء أمور وقائع عن تأخر في توزيع الأسئلة، وضياع جزء من الوقت، وغياب التعويض في بعض الحالات.

المشكلة هنا ليست في تحديد ما إذا كانت ثلاث ساعات كثيرة أو قليلة بشكل عام، بل في التأكد من أن كل طالب يحصل عليها كاملة بالفعل.

فطالب تسلم ورقته في التاسعة تمامًا ليس كطالب بدأ بعد عشر دقائق. وطالبة حصلت على وقت إضافي لتعويض التأخير ليست كأخرى طُلب منها التسليم في الثانية عشرة رغم أن ورقتها وصلت متأخرة. وداخل امتحان مصيري مثل الثانوية العامة، لا تبدو هذه الفروق تفصيلًا هامشيًا، بل قد تغير إجابة، أو درجة، أو مستقبلًا جامعيًا كاملًا.

ما الذي يحتاج إلى إجابة؟

تطرح شهادات الطلاب وتصريحات المسؤولين عدة أسئلة تستدعي توضيحًا رسميًا أكثر دقة.. هل توجد آلية موحدة لتسجيل وقت تسليم أوراق الأسئلة داخل كل لجنة؟ هل تُوثق حالات التأخير في محاضر رسمية؟ من يقرر مد زمن الامتحان؟ وهل يتم إبلاغ الطلاب بذلك بوضوح داخل اللجنة؟ وما الإجراء المتبع إذا رفض رئيس لجنة تعويض الوقت الضائع؟

9b1ed502-dce9-4763-aaaf-a76c8f55fd68
 

حتى الآن، تبدو التعليمات، واضحة في تصريحات الوزارة، لكنها لا تبدو بالوضوح نفسه في التطبيق الذي يرويه بعض الطلاب،  وبين النص والتطبيق، تتولد مساحة قلق واسعة لدى الأسر، خاصة أن الثانوية العامة في مصر ليست امتحانًا عاديًا، بل محطة تحدد مصير آلاف الطلاب وتعيد ترتيب حياة عائلات بأكملها.

قد تكون ثلاث ساعات كافية في تصور واضعي الامتحان، وربما تكون كافية بالفعل لطالب تسلم ورقته في موعده، وهدأ، وقرأ، وأجاب، وراجع. لكنها تتحول إلى زمن منقوص عندما تبدأ الورقة متأخرة، أو يستهلك "البابل شيت" جزءا معتبرًا من الوقت، أو يجد الطالب نفسه مطالبًا بأن يعوض بيده ما لم تنظمه اللجنة بدقة.

ويبقى السؤال: هل يحصل كل طالب في الثانوية العامة على حقه كاملًا في الزمن، أم أن بعض الدقائق تضيع خارج الحساب، رغم أنها قد تكون الفارق بين إجابة صحيحة وأخرى ناقصة؟

اقرأ أيضًا:

أزمة "امتحان الكيمياء".. البرلمان يفتح ملف معايير إعداد امتحانات الثانوية العامة

4 خطوات.. كيف تنظم وقتك في الامتحان؟

search